كان الزمن عتمةً

قاسم العابدي
كان الزمنُ عتمةً،
وأمُّ القرى تترقّبُ بلسماً
يزيحُ عن كاهلِها القهرَ.
السنون عجفاءُ والأمنُ
يهربُ من منازلِ المساكينِ .
وقفَ العنوانُ الأعظمُ للكون
ِ مقلّباً وجهَه في السّماء،
وجههُ الذي لم يصفْهُ أحدٌ كوصفِ
عمّه عندما قالَ فيه:
(وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهِه
ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ)
كانَ يعلمُ أنّها الليلةُ الموعودةُ
التي سيولدُ بها الصّدّيقُ الأكبرُ .
البيتُ مخلوقٌ يأتمرُ بأمرِ
جبّارِ السّماواتِ والأرضِ .
وقفَت سليلةُ إبراهيمَ الخليلِ
وتمتمَت بكلماتِ الإيمانِ،
تحوّلَ البيتُ إلى أكفٍّ ترحّبُ بها،
دخلَت إلى جوفِ البيتِ،
وها هيَ الكعبةُ تشهدُ
أنّ الوليدَ القادمَ ليس كسواهُ،
إنّهُ المرتضى الذي يلوذُ بين يدَيه
العدلُ ويتوضّأ بحروفِ اسمِه الإيمانُ،
إنّهُ الرّجلُ السّماويُّ الذي سيزرعُ
بينَ القلوبِ حدائقَ الرّحمةِ وفسائلَ المحبّةِ،
ويمحو من عروشِ الطّغاةِ آثارَ الظّلام.
تسارعَت أصواتُ الكائناتِ مرتّلةً
( قد أفلحَ المؤمنونَ)
وهتفَت أمُّ القُرى منشدةً :
عليٌّ أيّها الكونُ الأجلُّ.. ويا شكلَ الحقيقةِ إذ تطلُّ
تأبّطتَ الفضائلَ مدهشاتٍ.. فأنتَ إلى معانيها تدلُّ
على كفَّيكَ محرابُ اليتامى .. وفي عينَيكَ للمسكينِ نهلُ
وفي شفتَيكَ قرآنٌ تجلّى.. تُدَكُّ له الجبالُ وتُستهَلُّ.




