الإمام الكاظم (ع).. منار العلم ومنبع الفكر

محمد طاهر الصفار..
قام الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) بدور عظيم بعد أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) في حمل راية العلم بتزعمه مدرسته العظيمة ومواصلة مسيرته العلمية الكبرى والحفاظ على أهدافها ورفد أصحابها بالعلوم وجعلها متواصلة وفاعلة مع المجتمع رغم أساليب القمع والاضطهاد التي واجهها من قبل السلطة العباسية.
فالدور الذي مارسه الإمام الكاظم بعد أبيه جعل من هذه المدرسة حية وفاعلة وزاخرة في حياة الأمة، ودلت الروايات على الدور المشترك الذي قام به الإمام الكاظم بعد أبيه الصادق في إقامة أسس ودعائم علاقة متينة بينها وبين الأمة الإسلامية والسير على نهج أبيه في زعامتها العلمية والروحية.
الإمام الكاظم والمسؤولية الكبرى
وقبل الحديث عن هذا الدور العظيم والمسؤولية الكبرى التي اضطلع بها الإمام الكاظم نرى أنه لا بد من التطرق في الحديث عن هذه المدرسة العظيمة التي أنشأها الإمام الصادق (عليه السلام) وما تركته من أثر كبير وصدى واسع في الأمة الإسلامية، فإن لذلك أهمية قصوى حيث تتجلى فيها المهمة الكبيرة المُناطة بالإمام الكاظم (عليه السلام) في الحفاظ على أهداف هذه المدرسة ومبادئها ودورها الرسالي في المجتمع.
الرقابة العباسية على الإمام الكاظم وسياسة الإرهاب
ونجد من الضروري أن ننوّه ونؤكد أن الفترة التي تولّى فيها الإمام الكاظم الإمامة تختلف تماماً عن الفترة التي تولّى فيها الإمام الصادق من ناحية الجو السياسي، فبعد أن قضى العباسيون على الأمويين تماماً التفتوا إلى العلويين الذين لولاهم لما وصلوا إلى الحكم بعد أن رفعوا شعار (يالثارات الحسين)، فارتكبوا بحقهم أضعاف ما ارتكبه الأمويون من الجرائم وضيّقت السلطة العباسية على الشيعة في زمن الإمام الكاظم وطاردتهم وقتلتهم.
وتدلنا رواية الشيخ المفيد في الإرشاد على مدى الرقابة الصارمة والشديدة التي مارسها بنوا العباس على الإمام حيث يقول (قال هشام بن سالم ـ وهو أحد أصحاب الإمام ـ: كنا بالمدينة بعد وفاة جعفر الصادق فقعدنا في بعض أزقة المدينة، فنحن كذلك إذ رأيت شيخاً يومئ إليّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع إليه الناس بعد الصادق، فيؤخذ فتضرب عنقه).
كانت تلك الأساليب القمعية والوحشية وغيرها من الأساليب هي محاولات للحد من انتشار الفكر الشيعي، وإنهاء دور أئمة أهل البيت في حياة الأمة، وقد عانى كل أئمة أهل البيت من هذه المحاولات الدنيئة التي كان هدفها إحداث قطيعة بين الشيعة والتواصل مع أئمتهم، وكان الإمام الكاظم يحرص أشد الحرص على حياة أصحابه في ذلك الجو القمعي، ويأمرهم بكتمان الاتصال به عن الناس، حيث يروي المفيد أيضاً في نفس الكتاب والصفحة أنه: (ذات مرة جاء أحدهم يسأل الإمام الكاظم كما كان يسأل أباه، قال له الإمام: سل تخبر ولا تذع فإن أذعت فهو الذبح).
وهذه الرواية لا تحتاج إلى توضيح على مدى سياسة الإرهاب العباسي التي مُورست ضد الشيعة، فكان الإمام يختار لهم أوقاتاً معيّنة للاتصال به بعيداً عن أنظار السلطة وجواسيسها كما يروي الكليني في الكافي حيث يقول: (سأل أحدهم الإمام موسى بن جعفر الكاظم عن مسألة فقال: إذا هدأت الرِّجل وانقطع الطريق فأقبل).
المخاطر والصعوبات والتحدي
ورغم كل هذه الأساليب القذرة التي مارسها العباسيون فإن الإمام الكاظم قام بدوره العظيم في قيادة الأمة وتحمل أعباء الإمامة وواصل السير على نهج أبيه في مسيرته العلمية، حيث رجع إليه أصحاب أبيه في أخذ معالم دينهم منه فكانوا يجتمعون عنده ويستمعون إلى علومه ودروسه ويدونونها في سرية تامة، ويروي المجلسي في بحار الأنوار طريقة اجتماع الشيعة بإمامهم الكاظم والتزود منه في ذلك الجو الرهيب فيقول: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى الكاظم من أهل البيت وشيعته يحضرون ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال فإذا نطق أبو الحسن بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا في ذلك).
ونلاحظ إضافة إلى المخاطر التي عرّضوا أنفسهم لها بذلك الاجتماع المصاعب التي واجهوها في تدوين حديث الإمام، فالألواح التي يضعونها في أكمامهم من الأبنوس الأسود لا تكفي لكل ما يقوله الإمام، كما أن كمية الأميال ـ وهي شبيهة بالطباشير ـ والتي يجلبونها معهم لا تسد حاجتهم في كتابة كل ما يقوله (ع)، ولعلهم يتناوبون في الكتابة ثم تعرض هذه الألواح على الجميع ليقرأ الجميع كل ما قاله الإمام.
إشراقات الكاظم تضيء البلاد
ورغم كل هذه الصعوبات والمخاطر فقد انتشر علم الإمام بين الناس كثيراً حيث قام أصحابه بهذه المهمة، فألف الحسن بن علي بن يقطين كتاب (مسائل موسى بن جعفر)، وكذلك بكر بن الأشعث، وقد روى عنه (ع) الكثير من أهل بيته وشيعته، منهم أخوه علي بن جعفر الذي كان شديد التمسك به والانقطاع إليه، وقد روى عنه الكثير من المسائل كما روى عنه ولده عبد الله بن موسى بن جعفر، ومن الذين رووا عنه محمد بن عمير والحسن بن بشار المدائني وغيرهم وقد أورد النجاشي في كتابه (الرجال) طائفة كبيرة من أصحاب الإمام الذين رووا عنه، كما أورد الطوسي في (الرجال) أيضا أسماء (46) رجلاً ممن رووا عن الإمام الكاظم وأورد عن بعضهم معلومات لها أهميتها لمن يدرس جهود الإمام الكاظم ميدان العلم.
ولم يقتصر نشره للعلم على أصحابه في تلك الظروف الصعبة والشديدة الخطورة بل إن أنوار علومه اخترقت جدران سجنه، فقد روى النجاشي ما نصه: (كان إبراهيم المروزي، مؤدب أولاد السندي بن شاهك الذي أوكلت له رقابة موسى بن جعفر الكاظم في السجن ببغداد، يروي الحديث عن موسى الكاظم (عليه السلام) وألف كتاباً ضمنه ما سمعه من أحاديث الإمام وهو في السجن).



