المعادلة الوطنية الصحيحة

بقلم: علي الزعتري..
المعادلة المطلوبة لاستمرار حكومة أو دولة هي في تساوي الاهتمام الحكومي السليم بين الداخل والخارج في كل شأنِ الوطن والأمة، لا يمكن لدولةٍ في الأحوال العادية، أن تستمر طويلاً عند اختلال هذه المعادلة، فما بالك عندما يكون للدولة عدوٌّ خارجي يترصدها ويعتدي عليها؟ فماذا نعني؟
يعني أنه لا يمكن غض النظر عن الفساد الناخر داخلياً والتفاخر بالصمود. وهذه هي العِلَّة المعروفة في الدول التي رفعت رايات الوطنية، صدقاً وعاطفةً وتوريةً، بينما هي في فسادٍ مستشرٍ حين يكون قادتها أثرياء وجنودها هم الفقراء. فسادٌ جعل فيها نوعين من المواطنين، واحدٌ فوق القوانين وآخر تُطَبَّقَ عليه القوانين.
ليبيا والسودان وفلسطين وقبلهم الصومال في زمن محمد سياد بري ومصر الناصرية والساداتية والمباركية وحتى الجزائر البوتفليقية كلها أمثلةٌ موثقة بالكلمات والصور والشهادات عن اختلال المعادلة تماماً بين الخطاب والممارسات الداخلية والخارجية. فكيف يمكن لدولةٍ تسمح بالفساد أن يسيطر عليها وتطلب من شعبها وجيشها المُفتقرين أن يدافع عن بلاده أو يرغب ببقاء حاكمها وحاشيته أو يحترم القانون؟.
لا تمنح مؤشرات الفساد التي تُنشرُ عالمياً درجاتً عاليةً لمعظم الدول العربية باستثناءٍ ضئيلٍ وكذلك تفعل مؤشرات الحوكمة الرشيدة وحرية التعبير وحرية الصحافة الاستقصائية، فمعظم الدول العربية لا تملك ما تفخر به في هذا المجال. وهذا يعني أن الفساد الناخر لا يقابله حريةٌ في توصيفه أو محاربته بأدوات العدالة المعروفة، بل أن الدولة تلجأ للتغطية على فسادها بالشعارات والكذب الصريح وانتقائية تطبيق القانون في حين يسمع المواطن المكلوم عن الفساد بطرقٍ همسيةٍ، فالناس يتكلمون ويتبادلون المعلومات وسرعان ما تصبح الحقيقة الوحيدة التي يؤمن بها أن حكومته ووطنه وجهان للنفاق واحد.
بل أن هذا الشعور هو الذي يدفع المواطن البسيط للاستهتار والاستهانة قدر الاستطاعة بما تملكه الدولة فهو قد لا يتورع مثلاً ومنذ طفولته عن تخريب الممتلكات العامة عندما يستطيع أو سرقتها أو التهرب من القوانين والتعليمات ومن يستطع منهم يتوجه نحو وسائل التواصل لنشرِ حكاياتِ الفساد التي سمعها أو عاشها، وكلها أفعالٌ تعبر عن الغضب وانتشار روح الانتقام من الدولة ورموزها، أما من هو من أركان الدولة أو من المتنفذين فإن الذي يحركهم لتبني الفساد عالي المستوى هو الاقتناع بصيرورةِ البلاد للخراب عاجلاً أم آجلاً جراء سياساتٍ خاطئةٍ ومتراكمةٍ والشعور بالحاجة لملاجئ مالية وملاذات آمنة خارج البلاد، ولذا السُعار في جني ما يمكن جنيهُ من خيراتٍ قبل وقوع الفأس في الرأس.
ولعل المثال السوري الأخير هو أبلغَ ما رأيناه وسبقهُ المثال التونسي في سرعةِ الهروب لرأس النظام ومن استطاع من الحاشية مع ما يمكن أخذه وما ينتظر ببلاد المنفى.
في ذات الوقت الذي يتفاقم فيه الفساد ويعتلي منابر الحكم ممن هم غير مؤثرين في القرار أو غير قادرين، لقلة الكفاءة أو الخوف، وهو عاملٌ من شأنهِ تأجيج الفساد، تخوضُ البلاد في نزاعاتٍ ومؤامراتٍ وحروبٍ تستدعي وجودَ قيادةً نظيفةً وحكماً عادلاً وتواصلاً صريحاً في الظاهر والباطن مع المواطن، غير أن الدولة لا تفعل ذلك بل تضع الضغوط وتمارس الكذب على المواطن. فهو عندها مصدر التجييش والتمويل الجائر والحلقة الأضعف التي يمكن استغلالها بالترهيب في سبيل الوطن، بينما يرى المواطن أنه ضحية الفساد في وطنه، وأن العبء الملقى عليه فوق قدرته على التحمل فيثور ويعبر عن رفضه كيفما استطاع.
هذا النموذج من الحكم لا يتوقف عند العرب وقد رأيناه في فيليبين ماركوس وزوجته ورومانيا تشاوشيسكو وزوجته وإيران الشاه وزوجته والتشيلي في حكم بينيشيو الفاشي العسكري وزائير موبوتو سيسي سيكو وجنوب إفريقيا العنصرية، كما رأيناهُ في روسيا القيصرية ثم السوفيتية وفي أمريكا تحت الاحتلال البريطاني وإيرلندا تحت الحكم البريطاني.
كلُّ تسلطٍّ وفسادٍ في الحكم يقود لنفس النهاية. والمؤسف أن المشهد قد يتكرر، فينتقل الوطن والمواطن من فسادٍ ظَنَّ بزوالهِ لمرحلةٍ انتقاليةٍ فيها بعض الأمل، ففسادٍ يبدأ تحت عناوينَ جديدة وقد رأينا هذا في سلسلة الانقلابات العربية في السبعينيات من القرن الماضي. يُعَدُّ تكرر هذا المشهد ببلادنا شائعاً بما يحمله من خيبات أملٍ وانكساراتٍ مما يسوؤنا جداً لأجيال متعاقبة. فما هو الحل؟.
هو في اتعاظ الحاكم والحاشية بتأريخٍ لا يكذب ولا يرحم وفي إعادة صياغة العلاقة بينهم والشعوب لأن خير دفاعٍ عن البلاد هو في تطبيق العدالة الداخلية دون استثناء. وفي تمكين نظام حكمٍ تنفيذيٍّ كفء نظيفٍ مُتداولٍ بين متمكنين يأتون لبلادهم بتنميةٍ فيها الاستدامة. كما هو في إعادة تربية الوطنية العسكرية المؤسسة على احترام الوطن الباقي لا الفرد الفاني. هي بالطبع وصفةٌ سهلةَ المقال لكنها أساسيةٌ في كل حكم. ومن لا يتعظ سيلقى مصير من أُخرِجَ من حفرةٍ ومن أنبوب تصريفٍ ومن هربَ في فجرٍ أو وجد نفسه وراء القضبان.



