اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الهادي (ع) وترتيب شؤون الأمة

الشيخ الحسين أحمد كريمو..

في تلك الظروف القاسية التي عاشها الإمام علي الهادي (ع) في مدينة العسكر سامراء، كان لا بدَّ له من متابعة شؤون الأمة وقيادتها والتواصل معها بأي طريقة ممكنة، لإيصال ما يحتاجونه من مسائل وأحكام، ويأخذ منهم الحقوق الشَّرعية، وإعطاءهم ما يحتاجونه في حياتهم كلها، فما الحيلة والإمام في سجن مفتوح؟.

هنا يحق لنا في هذا العصر أن ندرس الإبداع الإداري للإمام علي الهادي (ع) حيث إنه أبدع في كل شيء يخص التواصل والإدارة وأحدث نقلة نوعية في ذلك رغم أنه في الإقامة الجبرية والمراقبة اللصيقة له، فاستطاع أن يتخلَّص منها جميعا ويرتب شؤون الأمة بالخطوات التالية:

أولاً: ربط الأمة بالأئمة بشكل وثيق جداً، وذلك عن طريق بث ونشر تلك الزيارات العجيبة المروية عنه وهي:

1-الزيارة الجامعة الكبيرة، وهي من أعظم وأجل وأجمل الزيارات المروية على الإطلاق.

2-زيارة الغدير الكبيرة، وهي أطول وأكمل وأجمل زيارة لأمير المؤمنين (ع) بما تتضمنه من دلائل.

3-زيارة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وهي أكبر زيارة لغريب الغرباء وأنيس النفوس وغريب طوس.

ثانياً: بلورة نظام الوكالة والوكلاء الخاصين والعامين وذلك لتهيئة الأمة لعصر الغيبة الصغرى ثم الكبرى.

ثالثاً: تحصين الأمة فكرياً وعقائدياً وذلك عبر الوصايا وأجوبة المسائل العقائدية المتعلقة ببعض الشخصيات المنحرفة، أو الفرق الزائغة والضالة كالغلاة، والواقفية، والصوفية الزائفة والفلاسفة وغيرها ممَّن ردَّ عليهم الإمام الهادي (ع) حتى قطعهم.

رابعاً: إعطاء الأمة منهجاً في التعامل السياسي مع السلطات الجائرة قولاً وعملاً، حيث إن حياة الإمام الهادي (ع) تزخر بتلك المواقف المشرِّفة والمعلِّمة في التعاطي السياسي مع الطغاة والحطام الظلمة، لا سيما في ظل حكم المتوكل العباسي المجرم.

الإمام الهادي (ع) مدرسة الهداية

وهذا دأب وحال كل أئمة المسلمين في أنهم مدرسة تربوية في الهداية والرِّعاية للناس، لأنهم عِدل القرآن الصامت بل هم القرآن الناطق، وكلمات الله التامات كما يؤكد الإمام الهادي (ع)، ولكن كان دور الإمام حساساً جداً لصعوبته من ناحية، ولقربه من عصر الغيبة الصغرى من ناحية أخرى، فكان همُّ الإمام الهادي (ع) بلورة القيم الولائية وترسيخها في الأمة، لربطها بهم بشكل قوي لا يتزعزع لعلمه بما سيواجههم في قابل الأيام من إشكالات وامتحانات في غياب الإمام عنهم، فاعتنى بهم من هذه الناحية بالخصوص حيث عرَّفهم بالأئمة لا سيما الإمام المهدي (عج) وثقافة انتظار الفرج الإيجابي له، فكان مدرسة في الهداية إلى الحق.

وقد اعترف بفضله حتى الأعداء، فهذا عبيد الله بن يحيى بن خاقان ـ من عمال العباسيين والنواصب ـ يقول في وصف الإمام الحسن العسكري وأبيه (عليهما السلام): (لو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيراً فاضلاً)

وقال ابن حجر في صواعقه: (علي العسكري سمِي بذلك؛ لأنه لما وجه لإشخاصه من المدينة النبوية إلى سرّ مَنْ رأى وأسكنه بها، وكانت تسمَّى العسكر فعرف بالعسكري، وكان وارث أبيه علماً وسخاءً).

تلك هي سيرة الإمام الهادي وأخلاقه الراقية التي يجب أن ندرسها جيداً ونتعلم منها أساليب مواجهة الطغاة والمتجبرين في كل عصر ومصر، وليكون لنا قدوة وأسوة في هذه الحياة.

السلام على الإمام العاشر من أئمة المسلمين علي الهادي الذي هدى الله به الأمة لسبيل الأئمة (عليهم السلام)، ونظَّم أمرهم ورتَّب شأنهم حتى لا يضيعوا أو يضلوا في عصر الغيبة عن الحق وإمامهم الغائب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى