لا ريب فيه

إذا كان القرآن الكريم بهذه المثابة فهو إذاً (لاَ رَيْبَ فِيهِ) و(الريب) لا يعني (الشك) فقط بل هو (الشكّ مصحوباً بنوع من الظن السيّئ).
والقرآن الكريم حقيقة ثابتة لا ريب فيها، ولكن ما هي المواقف التي اتّخذها الناس تجاه هذا القرآن، وما احتواه من قيم وتشريعات؟.
ويقسم القرآن الناس إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأُولى: المتّقون، وهؤلاء كانوا يشكّلون شريحة اجتماعية لها كيان واقعي على الأرض، وكانت هذه الشريحة تؤمن بالله واليوم الآخر. وتسير في خط الرسالة الإلهية.
والقرآن يمثل بالنسبة لهؤلاء هدى ونوراً. (هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ).
المجموعة الثانية: الكافرون، ويراد بهم هنا تلك الشريحة الاجتماعية التي ظلّت مصرّة على مواقفها الخاطئة رغم قناعتها بصوابية الدين الجديد.
وهؤلاء أغلقوا نوافذ قلوبهم تجاه الحقّ، فلم يعد بإمكان النور القرآني أن ينفذ إلى قلوبهم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
المجموعة الثالثة: المنافقون، وهم أُولئك الذين حملوا شخصيتين اثنتين، شخصية ظاهرية تمثّل الإيمان وشخصية واقعيّة تمثّل الكفر.
هؤلاء: حملوا (اسم) الإيمان، ولكنّهم حرموا أنفسهم من الاستفادة من (واقع) الإيمان.. صحيح أنّهم استفادوا بعض المكاسب الظاهرية التي وفّرها لهم المظهر الإيماني، لكنّ هذه الاستفادة مؤقّتة، فلا يمرّ زمن إلاّ وتنتهي وتذوب. (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ).
هذه مجموعات ثلاث كانت تتحرّك على الأرض، وتمثّل كيانات حقيقية قائمة في الساحة، وقد تطرّق القرآن الكريم إلى كلّ واحدة منها كما سوف يأتي في الآيات القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر: أنّ هذه المواقف الثلاثة تُتخَّذ أمام كلّ رسالة جديدة عادةً. فالبعض يؤمنون. والبعض يكفرون. والبعض يتذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء.
ومن الجدير بالذكر: أنّ التقسيم القرآني للناس والذي تضمّنته هذه الآيات الكريمة تقسيم مبتنٍ على أُسس عقائدية.
فالقرآن لا يقسم الناس حسب التصنيف اللوني. ولا حسب المقاييس الجغرافية. ولا حسب الإنتماءات العرقية. ولا حسب الدرجات الاقتصادية.
فكلُّ هذه الأُمور قشريّة زائلة، وإنّما يقسّمهم على أُسس عقائدية إلى (مؤمن، كافر، منافق)، فمن صحّت عقيدته واستقام عمله وسلمت فطرته لا يمكن أن يساوى بمن زاغت عقيدته، وانحرف عمله، وسقُمت فطرته.



