صواريخ “أتاكمز” بين مجازفة بايدن ورد فعل “القيصر”

بقلم: حيان نيوف..
ليست المفاجأة أن تعلن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عن منحها الإذن لكييف، لاستخدام الصواريخ الأمريكية البعيدة من نوع “أتاكمز”، لاستهداف عمق الأراضي الروسية، ما يبعث على المفاجأة والشك في آنٍ معاً هو التوقيت الذي اختارته إدارة بايدن لإصدار هذا القرار قبل شهرين من تسليمها المفترض للسلطات في البيت الأبيض إلى الرئيس المنتخب الجمهوري دونالد ترامب وإدارته الجديدة، بعد تحقيقه فوزاً كاسحاً في الانتخابات الرئاسية التي جرت قبل أسبوعين، وانسحاب هذا الفوز على الكونغرس بمجلسَيْه الشيوخ والنواب في حالة نادرة، سينتج منه تمركز كامل للسلطات التشريعية والتنفيذية بيد ترامب وفريقه.
يمكن لنا مناقشة الخلفيات التي دفعت إدارة بايدن إلى المقامرة باتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت الحرج، والأهداف المحتملة التي تسعى لتحقيقها في إطار اللحظة التاريخية التي يمر بها العالم والداخل الأمريكي معاً على حدٍ سواء، والتي يمكن اختصارها بالآتي:
أولاً؛ إن لجوء إدارة بايدن في هذا التوقيت لمنح أوكرانيا الإذن لضرب العمق الروسي بصواريخ “أتاكمز” بعيدة المدى، على الرغم من تحذيرات روسيا السابقة، يهدف إلى تكثيف الصراع على مدى الشهرين المقبلين قبل إعادة تنصيب ترامب حتى يرث وضعاً أكثر صعوبة مما هو عليه الآن، يدفع به إلى تبني موقف أكثر تشدداً بشأن الصراع الذي يشنّه الغرب بالوكالة ضد روسيا عبر أوكرانيا، وخصوصاً أن ترامب أعلن صراحة خلال حملته الانتخابية، أنه سينهي الصراع في أوكرانيا مع روسيا في اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض.
ثانياً؛ في ظلّ ما أعلنه ترامب من رغبته في إنهاء الصراع، ومع خشية إدارة بايدن من تمكن روسيا من استعادة مقاطعة كورسك الروسية بالكامل قبيل انطلاق المفاوضات المحتملة للتهدئة والحل، وبالتالي خسارة أوكرانيا ورقة مهمة في التفاوض تقوم على صيغة تبادل الأراضي كانت واشنطن قد سعت إليها عبر رعايتها الهجوم الأوكراني على مقاطعة كورسك والاحتفاظ بهذا التوغل إلى وقت مفاوضات الحل، وبالتالي تريد واشنطن من كييف استهداف القوات الروسية المتقدمة بهذه المقاطعة، مبررة ذلك بوجود قوات من كوريا الشمالية فيها تقاتل إلى جانب القوات الروسية.
ثالثاً؛ تسعى إدارة بايدن إلى توريط أوروبا في صراع مباشر مع روسيا يلزم إدارة ترامب المقبلة بمزيد من التحالف مع أوروبا، والتمسك بـ”الناتو” كخيار استراتيجي لواشنطن، في ظل تخوف إدارة بايدن من قيام إدارة ترامب بالانسحاب من الحلف.
رابعاً؛ ربما تخطط إدارة بايدن لاندلاع حرب واسعة نووية أو غير نووية على الصعيد العالمي، لتجعل من ذلك سبباً كافياً لإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في الولايات المتحدة بهدف منع ترامب من تسلم السلطة، وإبقائها بيد بايدن قبل تغييبه ونقلها لاحقاً إلى نائبته كامالا هاريس التي تمثل الواجهة الأكثر ليبرالية للدولة العميقة.
رد الفعل الروسي
في مقابل تلك المجازفة الأمريكية المتهورة وأهدافها المبيتة، لا بدَّ من استقراء ردود الفعل الروسية المحتملة، والتي ظهر بعضها للعلن بشكل أولي، سياسياً وميدانياً، بعد تقارير تحدثت عن قيام القوات الأوكرانية بالفعل بتنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية بواسطة الصواريخ الأمريكية “أتاكمز”، وشملت ردود الفعل الأولية مواقف صدرت عن نواب وسياسيين روس حذروا فيها من اندلاع حرب عالمية ثالثة، فيما ذهب البعض إلى القول بأن القرار الأمريكي يشكل سبباً كافياً يسمح لروسيا اعتبار الولايات المتحدة والدول الغربية التي تتبنى القرار ذاته، أطرافاً مباشرين بالصراع الدائر.
وبعد صدور القرار الأمريكي، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن يوقع على مرسوم تحديث العقيدة النووية لروسيا بعد أسابيع من دعوته إلى إجراء تعديلات عليه بما يحقق الردع لروسيا وحلفائها في وجه أعدائها، سواء جرى استهداف الأراضي الروسية بأسلحة تقليدية أو نووية.
وأيضاً من الخيارات المحتملة التي تحدث عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السابق تزويد خصوم الولايات المتحدة حول العالم في مناطق صراع أخرى بمثل تلك الأسلحة أو ما يفوقها، إذ قال بوتين منذ أشهر بهذا الخصوص: “إذا كان هناك من يرى أنه من الممكن توريد مثل هذه الأسلحة إلى منطقة قتال لضرب أراضينا وخلق مشكلات لنا، فلماذا لا يحق لنا أن نورد أسلحة من الصنف ذاته إلى مناطق ستوجّه انطلاقاً منها ضربات إلى مواقع حساسة تعود إلى تلك الدول التي تقوم بمثل هذه الخطوات تُجاه روسيا”؟ ومن المعلوم أن الشرق الأوسط يشكل منطقة ملتهبة ومنطقة صراع وتهديدات للوجود الأمريكي.
وخلاصة القول؛ إن المجازفة الأمريكية ستنفجر في وجه أوكرانيا ونظامها النازي أولاً، ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر الفادحة والكارثية التي مُنيت بها نتيجة استخدامها كوكيل للحرب الهجينة التي يشنها الغرب على روسيا، وكذلك فإن هذه المجازفة ستنفجر في وجه واشنطن التي ستعرّض وجودها في الداخل الأوكراني في مناطق عديدة حول العالم للخطر المحدق، سواء من قبل القوات الروسية أو من قبل أعداء واشنطن المتعطشين، لتلقي الدعم العسكري الروسي، قبل أن تنفجر تلك المجازفة في الداخل الأمريكي الذي يستعد لنقل السلطات من إدارة بايدن إلى ترامب وفريقه الذي بدأ يرفع الصوت في وجه الخطوة المتعجرفة التي اتخذها بايدن.



