في سفر العشائر مالها وما عليها …

بقلم: منهل عبد الأميرالمرشدي ..
مما لاشك فيه أننا مجتمع عشائري لكل منا عشيرة أو قبيلة ينتسب اليها أو يفتخر بها. الأمر الآخر الذي هو ضمن المسلمات الواقعية أن لرجال العشائر في البلاد ومشايخها الأجلاء مواقف يُفتخر بها على المستوى الوطني منذ استجابتهم لفتوى المرجعية العليا حينها بالجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي بثورة العشرين التي اندلعت شرارتها في الفرات الأوسط الى عموم العراق والتي تكررت في الاستجابة المليونية لأبناء العشائر في الوسط والجنوب لفتوى الجهاد الكفائي للمرجعية العليا للسيد علي السيستاني التي حفظت الأرض والعِرض والمقدسات والدولة . كما أن لأبناء العشائر صلة الرحم التي لا تنفصم مع الشعر والأدب والحكمة وإشاعة العدل والصلح والإصلاح حتى قيل في المثل الشعبي إن المجالس مدارس . الجوانب الإيجابية للعشائر التي ذكرناها بدأت تنحسر للأسف الشديد لأسباب ومسببات حتى غدونا نعاني حدّة التقاطع بين ما تسنّه العشيرة وثوابت الشرع بل ما بين حضور العشائر ومعالم الدولة . إذا رجعنا الى الوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وآله تأسيسا لدولة الإسلام في المدينة المنورة برسم السياقات التي تؤطر مفاصل المجتمع في المدينة بين المهاجرين والأنصار واليهود حيث رسخت مفهوم الأمة الواحدة من دون الناس مهما كانوا أديانا وقبائل في الفقرة الثانية منها وعالجت المفهوم القبائلي بإلزام جميع القبائل الواحدة تلو الأخرى وبالأسماء من الفقرة الثالثة الى الفقرة الحادية عشرة من الوثيقة بأن (يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.) بل إن وثيقة المصطفى أكدت سيادة قانون الدولة على أي كان من أبناء القبائل الذي يرتكب الجريمة في نص الفقرة (13) التي نصّت على أن (( المؤمنين المتقين (أيديهم) عـلى (كل) من بغى منهم، أو ابتغى دسيعةَ ظلمٍ أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم )).. نحن اليوم نعاني تراجع حضور الدولة أمام سطوة بعض العشائر للحد الذي امتلك فيه بعضها أسلحة متوسطة وطائرات مسيّرة بل وحتى هاونات ورمانات يدوية ناهيك عن الإجهار في عرض الأسلحة واستخدامها في المواجهات إذا ما نشبت الخلافات بينهم والتباهي فضلا عن تبنّي العشيرة لابنها الوزير أو النائب أو المسؤول والدفاع عنه بوجه القضاء إذا ما تم ضبطه مدانا بجريمة القتل أو التزوير او تجارة المخدرات وأي جريمة مخلّة بالشرف !!!! لقد غدونا نعيش حقيقة مواجهة الدولة للعشيرة بل وحتى أمست بعض قوانين العُرف العشائري بالضد مما تؤكد عليه المرجعية الدينية بعدم الرمي الناري في المناسبات أو ما تسمى بـ (العراضة) أما في تحديد ماهية الفصل العشائري لحوادث القتل والخصام فحدّث ولا حرج لما يصل الى أرقام خيالية لا تمت للثوابت الشرعية بصلة إنما هي من باب الابتزاز او الرياء او التماري . إن ما دعانا لما كتبنا هو احترامنا للسفر الخالد لمسمى العشيرة وتأريخ رجالها المشرّف بعدما تداخلت عليها كثرة المشايخ والشيوخ على حساب الأسماء الكبيرة والمحترمة لمشايخ العراق الذين امتازوا بالحكمة والعقل والعدل والروية سنة وشيعة بل كثرت حالات انشقاق العشيرة الى بيوتات لا يعترف بعضها بالآخر . أخيرا وليس آخرا نشير الى بديهة المعادلة العكسية بين الدولة والعشائر فكلما قويت الأولى انحسرت سطوة الثانية وإذا ما عدنا الى نظام البعث المقبور فإنه أصدر أمرا بإلغاء ذكر اللقب العشائري للمسؤولين حتى عرفنا أن صدام التكريتي هو صدام حسين المجيد وطه الجزراوي هو طه ياسين رمضان وبائع الثلج عزة الدوري هو عزة إبراهيم إلا أن نظام صدام عدل عن ذلك بعد الكارثة التي حلّت به بعد غزو الكويت والانتفاضة الشعبانية فأوجب ان يكون لكل بيت شجرة عشيرة تعلق على الجدار وأنجبت لنا تلك الفترة المشؤومة شيوخ التسعينيات وتسلل بعض العشائر الى حصن آل البيت وصاروا (سادة) بقدرة قادر . بقي أن نتمنى على مجلس النواب تشريع قانون يحضر فيه ذكر اللقب العشائري لجميع المسؤولين والوزراء والنواب والقادة والزعماء في العراق ابتداءً من السيد السوداني لنعرف انه ابن الشهيد شياع ومرورا بمسعود البارزاني لنعرف أنه ابن مصطفى الضابط في الموساد الصهيوني وانتهاءً بمحمد الحلبوسي لنعرف أنه ابن الرفيق ريكان عضو قيادة الشعبة في البعث المقبور والبقية الباقية مع حفظ المقامات وحصانة المدانين والمتهمين والهاربين والله يحب المحسنين والسلام …



