في مواجهة دعاة تعميم الهزيمة.. منطق الانتصار يتقدّم

بقلم: علي عبادي..
مبكراً، أعلن وزير حرب العدو الجديد عن تحقيق “النصر” على المقاومة في لبنان، وبالتوازي بدأت جهات محلية في لبنان الترويج لـ”هزيمة” المقاومة.
استند العدو الى مجموعة “إنجازات” حققها في بداية الحرب، يقف على رأسها اغتيال الأمين العام لحزب الله ورئيس المجلس التنفيذي وعدد من القيادات العسكرية و”تدمير 80% من ترسانته الصاروخية”. وأضافت الجهات المناوئة للمقاومة في لبنان إلى هذه الحِسبة، الخسائر البشرية الكبيرة والدمار الذي لحق بالمناطق المأهولة، باعتبارهما دليلاً كافياً على وقوع الهزيمة، مما يستدعي -وفق هؤلاء- اعتراف المقاومة بالخسارة وتسليم سلاحها.
في العدوان الجاري اليوم، أمكن للعدو بعد طول تخطيط وتربّص تسجيل مكاسب على الصعد الأربعة، وبالتالي ظنّ أن “النصر المطلق” متاح بكل المقاييس الموضوعة مسبقاً. مع هذا، لم يتمكن من التقدم والتوغل في عمق الأراضي اللبنانية لتوفير منطقة أمنية عازلة وإعادة مستوطنيه الى شمال فلسطين المحتلة، وبقي بعد أربعين يوماً على إطلاق الحرب البرية في القرى الأمامية وعند تخومها يناور تارة ويتراجع أخرى، بعدما تمكنت المقاومة من تدمير أكثر من 45 دبابة وقتل وجرح أكثر من ألف ضابط وجندي على وفق اعترافه، كما واصلت إطلاق الصواريخ من النقطة صفر تقريباً على الحدود باتجاه المستوطنات، واستمر توجيه الصواريخ طويلة المدى إلى “تل أبيب” وأبعد منها، موسّعة دائرة عدم الأمان في العمق الصهيوني. فضلاً عن ذلك، تمكنت المقاومة بسرعة قياسية من ترميم قدراتها القيادية العليا والوسطى واستعادة التواصل بين القيادة والميدان (التحكم والسيطرة).
تعميم فكرة الهزيمة
دفعت مجريات الحرب في الأيام الاولى الكثيرين ممن لا يدركون ثقافة حزب الله وقدرته على التحمل وتجاوز الصعوبات للاعتقاد بأن حزب الله انتهى، وأن مقاومته للعدوان أصبحت عبثية وشكلاً من أشكال الانتحار، وتم تعميم هذه النظرة عبر وسائل إعلام ووسائل التواصل وعبر مجموعة كبيرة من المؤثرين الذين يعملون بالتوجيه عن بُعد، من أجل تكريس هذا الاعتقاد وإسقاط الروح المعنوية للمقاومة والمجتمع الحاضن لها، وتهدف هذه الحملة المنسقة إلى:
أولاً: ضرب الثقة بالمقاومة وقدرتها على الصمود، خاصة بعد الضربات الاستباقية التي تلقتها.
ثانياً: التشكيك في جدوى الصراع مع الكيان الصهيوني من أساسه، ومحاولة تسخيف فكرة الانتصار أمام عدوّ عاتٍ مثله، وبالتالي إشاعة الإحباط واليأس من فكرة المقاومة ككل.
ثالثاً: العمل لفرض مشروع الاستسلام بكل تبعاته وذيوله على لبنان والأمة. وتمثل الترتيبات الأمنية التي يطالب بها العدو، مدخلاً لتغيير الواقع الاستراتيجي في لبنان والمنطقة، ولإفساح المجال أمام إعادة تركيب البلد بطريقة تناسب المشروع الأمريكي- “الإسرائيلي”. ويُعدّ حزب الله هدفاً رئيساً في جهود الدعاية المعادية، ومتى ما تمت هزيمته يصبح من السهل تعميم الهزيمة، على وفق هذا التصور.
رابعاً: التشكيك في القرار الوطني لقيادة المقاومة، تارة بالادعاء أن الاستمرار في القتال هو بطلب من إيران (كان هناك تركيز على قيادة الجمهورية الإسلامية والتهجّم على الإمام الخامنئي شخصياً)، وتارة أخرى أن حزب الله بات يدار بقيادة إيرانية بعد اغتيال الأمين العام السيد الشهيد حسن نصر الله. والواقع أن هذه المزاعم كانت تتردد من قبل الأبواق المعادية طوال عمر نضال حزب الله ضد الاحتلال. ويهدف تكرار الادعاءات في هذا المجال إلى تجريد المقاومة من بُعدها الوطني ودوافعها الأصيلة.
التلاعب بمفهوم الانتصار
تحاول الدعاية المعادية تحوير مفهوم الانتصار بطريقة أو بأخرى، تمهيداً لإحداث انقلاب في الوعي العام في خضم هذه الحرب المصيرية. ومن المفيد التوقف عند نقاط أساسية في هذا المجال:
1- في غياب قيام توازن في النيران بين المقاومة والعدو المدعوم بأحدث المنتجات الحربية الأمريكية والأوروبية، لا تقاس نتائج الحرب بالخسائر البشرية والمادية، بل تقاس بتحقيق الأهداف الاستراتيجية: في 1982، وصل العدو إلى بيروت بعد تحقيق انتصار عسكري واضح على المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي كانت تقاتل آنذاك، وألحق دماراً هائلاً بمناطق عدة في طليعتها العاصمة بيروت، وفرض على لبنان اتفاق الإذعان في 17 أيار 1983. لكن العدو لم يستطع تسييل الانتصار العسكري إلى واقع مستدام، فقد تم إرغامه من قبل المقاومة في الشهور والسنوات التالية على الانسحاب من بيروت، ثم من الجبل والطريق الساحلي، ثم من صيدا فصور والنبطية، ثم من جزين والمنطقة الحدودية المحتلة عام 2000.
2- من الواضح، أن العدو لم ينجح في كسر إرادة القتال لدى المقاومة وإرادة الصمود لدى أهلها إلى اليوم، على الرغم مما أصاب المجتمع المقاوم من ضربات أليمة على مستويات عدة. وما دامت المقاومة صامدة وتقاتل وتؤلم العدو، وما دام شعبها مسانداً وواقفاً إلى جانبها، فلا يمكن الحديث عن انتصار “إسرائيلي”. نحن في صدد حرب لم تنتهِ بعد، وبالتالي لا يمكن تقييم النتائج من الآن، في وقت يبدو بوضوح، أن المقاومة استعادت توازنها القيادي وقدراتها القتالية وتجرّ العدو إلى استنزاف طويل يخشاه إلى درجة الحديث عن قرب إنهاء “المناورة البرية”، بصرف النظر عن احتمال وجود خدعة عسكرية كامنة وراء ذلك.
3- لقد أكدت قيادة المقاومة دوماً أنها لا تعمل وفق منطق أنه يمكن القضاء على عدو مدعوم من القوى العظمى في جولة واحدة قاضية، بل إنها تعمل وفق استراتيجية بعيدة المدى أثبتت على مدى عمر الصراع أنها تأتي بنتائج مثمرة. فقد استغرق تحرير الجزء الأكبر من الأراضي اللبنانية التي احتلها العدو عام 1982 نحو 18 عاماً. وبالتالي، فإن نهج المقاومة يتسم بالفهم العميق لتوازنات الصراع ومراكمة القدرات والإنجازات من دون تعجّل ولا تردّد في الوقت عينه.
في الخلاصة، أظهرت المقاومة خلال جولة القتال الأخيرة، أن لديها ما يكفي من المرونة والإرادة للتعامل مع الصدمات القاسية وامتصاص آثار الضربة “الإسرائيلية” الاستباقية وترميم القدرات سريعاً خلال الحرب. بهذا المعنى، إذا كان العدو سعى إلى تنفيذ ضربة استباقية على غرار ضربة 5 حزيران 1967 لتقرير نتائج استراتيجية على مسار الصراع ككل، فإن المقاومة تمكنت حتى الآن وبشكل ملحوظ وملموس في الميدان، من استيعاب الموقف ومنع تحويل “النكسة” إلى هزيمة، خلافاً لما يشتهي العدو والمتناغمون مع خطابه، بل إن المقاومة تستعيد المبادرة تدريجياً وتُدخل كل يوم أهدافاً جديدة إلى بنك استهدافاتها وأسلحةً جديدة إلى ساحة المعركة، بينما تراجعت إنجازات العدو العسكرية وبات جلّ همّه حالياً تنفيذ مجازر يومية بحق المدنيين والبنى السكنية هنا وهناك لرفع كلفة الصمود والانتصار.



