اراء

خطاب ماكرون.. تحليل سيكولوجية المغلوب المُولَع بتقليد الغالب

بقلم: د. طارق ليساوي..
أشرت في مقال “على خلفية خطاب “ماكرون” بالبرلمان المغربي: المقاومة حق مشروع أينما وجد إحتلال..” إلى أن الرئيس الفرنسي فالرئيس الفرنسي ماكرون ومعه دولة فرنسا تعاني من “تناقض سريالي” فعندما يتم التعامل مع تاريخ فرنسا القريب، وتحديدا حقبة الاحتلال النازي لفرنسا، يتم تمجيد والاحتفاء بتاريخ وبطولات “المقاومة الفرنسية” بقيادة الجنرال ديغول ضد الاستعمار الألماني النازي بقيادة هتلر.. في حين تعتبر مقاومات الشعوب المستعمرة، ومنها الشعب الفلسطيني اليوم، عمليات همجية بربرية، وبذات المنطق فينبغي التأكيد أيضا، بأن الجنرال ديغول ومقاومته إرهاب وهمجية بربرية تبعا للمنطق الماكروني “المختل” “المعتل”..
رشيدة طليب
وهذا الحدث دفعني لاستحضار الموقف المشرف والشجاع للنائبة الديمقراطية “رشيدة طليب” التي إعترضت لوحدها على خطاب النتنياهو في الكونغرس الأميركي قبل أسابيع وحمّلته مسؤولية الإبادة الجـماعية في قطاع غزة رغم تصفيق أغلب الحاضرين.. وارتدت خلال خطابه الكوفية وعلم فلسطين، ورفعت لافتة باللونين الأبيض والأسود وقد كتب على أحد جانبيها “مجرم حرب” وعلى الجانب الآخر “مذنب بارتكاب جـرائم إبادة جماعية”…
موقف غير مشرف
لكن ما يثير العجب ليس خطاب ماكرون، وإنما موقف أعضاء البرلمان المغربي الذين اختاروا أغلبية ومعارضة، التصفيق بحرارة لرئيس “ضعيف” يحركه النتنـياهو كيفما يشاء، رئيس منبوذ لدى غالبية الفرنسيين، فبدل أن يعترضوا أو -على الأقل ينتفض بعضهم- ليصحح التوصيف الخاطئ والمنحاز، على إعتبار أن الجالسين أمامه من المفروض أنهم تعبير عن الشعب المغربي الذي إنتخبهم في انتخابات 8 سمتنبر الشهيرة، خاصة وأن تصريحات ماكرون تتضمن إساءة للمقاومة الفلسطينية التي تدافع عن وطنها وشعبها الخاضع للإحتلال، وإساءة لمشاعر ملايين المغاربة الذين خرجوا منذ انطلاق الطوفان وشعارهم “كلنا فلسطينيون “…
وإني على يقين لو قال “ماكرون” نفس الكلام في البرلمان الفرنسي لوجد من النواب الفرنسيين من يصحح خطابه ويقاطعه ويقول له بصوت واضح “أصمت” فالمقاومة حق مشروع وليست إرهـابا.. لكن للاسف عندما يتم الاختيار على أسس مشكوك في نزاهتها وصحتها ووفق معايير لا تنسجم والقيم الديموقراطية، فلا غرابة أن تجد برلمانا غالبية أعضاءه لا يتقنون إلا التصفيق ..
القابليّة للاستعمار
ولعل هذا الموقف الغير المشرف لأعضاء البرلمان، وانبطاحهم امام مستعمر الأمس، سيدفعني إلى تعميق النقاش ومحاولة مقاربة الظاهرة من منظور أوسع وأشمل، فجميعنا يذكر عبارة “القابلية للاستعمار” والتي نحثها وشرحها مالك بن نبي رحمه الله ومعناها باختصار، أنه ‏لا يتم استعمار شعب ما إلاّ إذا سكنت قلوب بنيه “القابليّة للاستعمار”.. ومع انتهاء حقبة الاستعمار بمفهومه الكلاسيكي الصلب، تم الانتقال إلى مرحلة القابلية للاستغفال والاستغلال ولعل هذا ما شرحه ابن خلدون في إحدى قوانينه الاجتماعية والسلوكية “المغلوب مولع بتقليد الغالب” ..
وجبات سريعة
ففي إطار بحثنا كمسلمين عن مشروع حضاري نهضوي وتنموي يستمد جذوره من تراثنا الإسلامي وحضارتنا السامقة التي حكمت العالم لقرون ونشرت السلم والأمان والتعايش في أرجاء الأرض.. في هذا الإطار نصطدم دائما بنظريات غربية حَظِيت وتحظى برواج أكاديمي وبروباغندا إعلامية ملغومة ومشبوهة.. بمعنى أننا نجد أنفسنا أمام نماذج تنموية جاهزة على شاكلة الوجبات السريعة ك”ماكدونالد” وغيرها من الوجبات السهلة التحضير والحبلى بالمخاطر الصحية التي قد تنهي حياة المدمن على مثل هذه الوجبات السريعة التي تصيب بالسمنة وأمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة، وقد تفضي إلى الموت بالتسمم كما حدث مؤخرا من خلال إصابة العديد من الأشخاص بما يعرف بـ”الإشريكية القولونية”.. والنموذج التنموي الغربي-الأمريكي القائم على عبادة العجل الذهبي والإبادات الجماعية، يقود بدوره إلى أمراض تنموية مزمنة…
جينات الانهزامية
ومن منا لم يطلع على نظرية نهاية التاريخ التي تناولها المنظر والفيلسوف الأميركي “فرانسيس فوكوياما” في كتاب تحت عنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، سنة 1992، بعد سقوط جدار برلين و”إمبراطورية الشر” وما يهمني في كتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” هو أن مشاريع الهيمنة وإستعباد الشعوب تأتي من فئة تحمل جينات الانهزامية والعبودية والإعجاب بالغالب والانقياد له، وعندما نتحدث عن “فرانسيس فوكوياما”، ينبغي أن نعلم أن أصوله يابانية وحتى ملامح وجهه تعبر وتفضح أصوله الأسيوية اليابانية، وعندما نذكر اليابان فمن الضروري إستحضار الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الياباني، فقد أسقطت الولايات المتحدة على هيروشيما وناغازاكي قنبلتين نوويتين في نهاية الحرب العالمية الثانية في آب 1945..
المغلوب مولع بتقليد الغالب

فقد ولد فرانسيس فوكوياما في حي هايد بارك بمدينة شيكاغو في 27 أكتوبر 1952 لكل من يوشيوفوكوياما وتوشيكوكواتا. هرب جده فوكوياما من الحرب الروسية اليابانية عام 1905 وافتتح متجراً في لوس أنجلوس كاليفورنيا قبل الاعتقال الإداري للأمريكيين من أصول يابانية خلال الحرب العالمية الثانية، ووالده كان أوفر حظاً من جده وتفادى الاعتقال لأنه حصل على بعثة دراسية في جامعة نبراسكا. هذه التجربة التي مرت بها عائلة فوكوياما جعلته ناقداً لما يسمى بالإسلاموفوبيا.
والده هو”يوشيو فوكوياما “كان أميركيا يابانيا من الجيل الثاني، حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة شيكاغو حيث قام بتدريس الدراسات الدينية. ووالدته” توشيكو كواتا ” ولدت في كيوتو باليابان وهي إبنه شيرو كواتا، مؤسس قسم الاقتصاد بجامعة كيوتو وأول رئيس لجامعة مدينة أوساكا. قدمت إلى الولايات المتحدة حيث التقت زوجها للدراسة الجامعية. انتقلت عائلة فرانسيس إلى مانهاتن بمدينة نيويورك حيث عاش طفولته المبكرة قبل الانتقال إلى بنسلفانيا عام 1967.
شعور متضخم بالنصر
وأطروحة فرانسيس فوكوياما ” نهاية التاريخ” كانت في بدايتها مجرد مقال نشر في مجلة نشرها في مجلة ناشيونال إنترست عام 1989 قبل أن يتوسع فيها ويؤلف كتابه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، وقد قال وهو في حالة انتشاء وشعور متضخم بالنصر الذي حققه القطب الأمريكي-الغربي بعد الحرب الباردة وسقوط جدار برلين عام 1989، وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، كل هذه الأحداث دفعت الكاتب لكتابة مقاله الشهير وقال فيه بالحرف ” ما نشهده ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، أو مرور فترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، ولكنها نهاية التاريخ على هذا النحو، هذه نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وبداية عولمة الديمقراطية الليبرالية كشكل النهائي للحكومة الإنسانية”..
ونحن نحلل الوضع الدولي الراهن وحالة الصراع بين القوى الدولية الصاعدة والقوى التي في طريقها للأفول أو الانحصار، ولا سيما بعد إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وبعد طوفان الأقصى: هل حقا إنتهى التاريخ أم أننا أمام بداية حقبة تاريخية جديدة؟ ولتسمح لي أيها القارئ الكريم بأن أرحل هذا النقاش للمقال القادم وسأشرح بتفصيل وجهة نظري.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى