تفجير الكرادة بين المدبرين والمقصرين
مازالت تداعيات تفجير الكرادة تتفاعل, ولا اعتقد ان بالإمكان تجاوزها بسهولة, أو التعامل مع معطياتها, كما كنا نتعامل مع سابقاتها، وهذا يعني بكل وضوح, إن ما قبل الكرادة, غير ما بعدها, وهذه المعادلة تسري على الاداء السياسي والأمني, وحتى ما هو مرتبط بدور فصائل المقاومة والحشد الشعبي, في الواقع الأمني والسياسي, ولا بد من اعادة النظر بالوضع العراقي برمته, وإلا فما جرى في الكرادة, ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة, وبحرب من طراز مختلف, بدأت تلوح بالأفق, يهدف من يقف وراءها ويعمل على إشعال حرائقها, الوصول الى نتائج لم تتحقق من خلال صفحة داعش المهزومة.
لقد تحوّل مكان التفجير الى مزار, يتوافد عليه مئات العراقيين يومياً, في مشهد فريد سيتحول لا محالة الى مصدر ضغط لا يمكن تجاهله, سيؤدي إذا ما تمت إدامته واستثماره, لإحداث تغيير ملموس في المؤسسة الأمنية والحكومية, وكشف ملابسات هذا الحادث الخطير، وعدم السماح بتسويفه, كما حصل في مجزرة سبايكر والموصل, وغيرها من الجرائم والمؤامرات، التي حاكتها قوى الشر الأمريكية والسعودية والتركية والقطرية، وخونة العراق المتواطئون معها، لان الحكومة تعمل اليوم على امتصاص غضب المواطنين, من خلال إجراءات سطحية بعيدة كل البعد عن المعالجة الجدية.
ما ينبغي الإجابة عنه في قضية التفجير, هو التحري عن جهة التدبير التي خططت ونفذت, وبعد ذلك البحث في جهة التقصير التي لم تؤدِ واجبها بشكل صحيح, وكانت سبباً مباشراً لحدوث هذه الفاجعة، وقد لاحظنا تركيزاً مريباً لأطراف مختلفة, حاولت التواجد في مكان الانفجار, لتوجيه الاتهام للحكومة والسياسيين, دون الإشارة الى الجهة المنفذة, وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي, لا يخدم كشف الحقيقة, علما ان الجناة وهم بالتأكيد أطراف دولية وإقليمية ومحلية متنفذة, تقف على رأسها أمريكا, لديها ماكينة إعلامية وادوات سياسية تعمل على تضليل الرأي العام, وحرف مسارات تفكيره بعيداً عن أصل الموضوع, وترسيخ العداء بينه وبين الحكومة, والتي هي طرف تقصير لا تدبير, حتى لا توجه اصابع الاتهام نحوها.
وليس من السهل في خضم هذا التعقيد والتداخل, بين مدبري هذا التفجير, ونفوذهم الكبير داخل الدولة العراقية, ان نجد من يتمكن من الإمساك بخيوط هذه الجريمة, وفضح الأطراف التي خططت ونفذت, ولا توجد جهة سياسية أو رسمية تمتلك الشجاعة, لتضع النقاط على الحروف, وتميط اللثام عن هذه الفاجعة، ولا يمكن ان نتخيل امكانية اتهام أمريكا أو السعودية أو أطراف محلية بتدبير هذه الجريمة، مع وجود قرائن وأدلة, يمكن أن تكون دافعاً لارتكابهم هذه الجريمة، وأهم هذه الدوافع, ما جرى من فضيحة صفقة رتل الفلوجة, التي تواطأت فيها أمريكا والسعودية, وبعض الأطراف المحلية, والتي ربما أرادت أن توصل بهذا التفجير, رسائل عقابية صارمة, على ما تعدّه خطوطاً حُمراً, تخطتها أطراف عراقية سمحت باستهداف هذا الرتل.
أول بوادر إبعاد الأنظار عن المدبرين, هو تقرير الأدلة الجنائية, الذي كشف فيه أنواع المتفجرات المستخدمة، وهذه أهم فقرة في الموضوع, إذ أن معطيات التفجير, تدل على استخدام مادة جديدة غير مألوفة سابقاً, والذي سيؤدي كشفها الى اتهام أطراف غير داعش, أما ما ذكر في تقرير الأدلة الجنائية, فهي مواد شائعة لا جديد فيها, تسهل توجيه الاتهام الى عصابات داعش كما في كل مرة، وبالتالي ابعاد التهمة عن أطراف خارجية, قد يفتح اتهامها الباب, أمام انقلاب في الوضع السياسي والأمني، وهذا ما لا تتحمّله الحكومة الضعيفة, التي لا تمتلك أرضية صلبة تقف عليها, وتكاد تكون ريشة في مهب الريح.
اذن فيك الخصام وأنت الخصم والحكم, ولن نعوّل على نتائج التحقيق, لأنها ستسجل ضد داعش, ذلك المجهول الذي صار شماعة تعلق عليها, جميع الجرائم المرتكبة بحق الشيعة، ولا عزاء لمن فقد ابناً أو اخاً أو والداً أو صديقاً, إلا الدموع والصراخ أمام كاميرات الفضائيات، وانتظار الانجاز الأكبر, لحكومة لا يحترمها الشعب، بشراء المبنى المتفحم, وتحويله إلى متحف في الهواء الطلق, نزوره كل يوم, نلتقط عنده سيلفيات, تذكرنا بأننا شعب لا يعرف كيف يأخذ حقه, من عيون ظالميه.
محمد محي



