ملذات الدنيا وخطيئتها

هناك من لا يعرف، ما الأهداف التي خُلِق من أجلها، ولماذا أتى الى هذه الحياة، وهناك من لا يريد أن يعرف، لأنه منشغل بحطام الدنيا وغائص في خطاياها، ومنبهر بملذاتها، ومثل هذا الإنسان لا ينظر للدنيا كقاعة اختبار، ولا يعدّ جسراً للعبور إلى الدنيا، بل يريد أن يقيم فيها ويعمرها وكأنه باقٍ فيها إلى الأبد.
ولكن من الأفضل لكل إنسان أن يعرف ويفهم ويؤمن بأن الدنيا ما هي إلا جسر يقوده إلى الدار الآخرة، دار النعيم الأزلية، ودار البقاء الذي لا زوال فيه، أما الجسر فما هو إلا مكان مؤقّت للعبور لا أكثر، فلماذا نهتم بالعابر على حساب الباقي إلى الأبد، هذا هو السؤال الذي يجب أن يسأله كل إنسان لنفسه، لكي لا يخسر الآخرة ويتمسك بالدار الزائلة.
يوجد فارق كبير وبون شاسع بين الدنيا كمحطة عيش فانية، والدار الأخرى كدار باقية، فالبقاء والفناء هو الفارق الحاسم بينهما، لهذا السبب على كل إنسان أن يفهم هذا الأمر، ويختار الباقي على الفاني، فما فائدة أن تكسب الدنيا وتتمسك بها وتخسر الآخرة، بل عليك أن توظّف الدنيا شرعيا وعمليا لكي تنقلك إلى الآخرة بأمان.
فأنت تدخل قاعة الامتحان التي أرعبت (نابليون) أكثر من ساحة الحرب، وعليك أن تخرج من قاعة الامتحان ناجحا، أو ضامنا لدرجة الناجحين من خلال جودة أعمالك، وبهذا سوف تكون الدنيا محطة آمنة تنتقل عبرها بأمان إلى الآخرة بعد أن تنجح في أعمالك وأفعالك وأقوالك الصالحة التي تنصفك وتنصف الآخرين بمستوى متساوٍ.
باختصار شديد الدنيا هي (مزرعة الآخرة)، فإن زرعت الصالح فيها، تكسب الكثير وتضمن مغادرة قاعة الامتحان بنجاح، فكم من الناس يفكر بهذه الطريقة، وكم منهم تغريه الدنيا فيقع في خداعها ويسقط في الامتحان، هذا ما يجب أن يتنبّه له الناس، وأن لا تخدعهم الدنيا بجمالها وزينتها ولذاتها، حتى لا يسقطون في الاختبار.
خلاصة الكلام، يجب أن يستفيد الإنسان من الدنيا بالمقدار الذي يؤهله للعبور بسلام من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن قاعة الاختبار إلى فضاءات الحرية والنور والرحمة.
لكل إنسان شخصيته التي رسمها وشكّلها وبناء عبر رحلته الطويلة منذ الطفولة صعودا، فإذا بنى شخصية قوية مؤمنة راسخة متوازنة، سواءً على المستوى الاجتماعي والعملي والعلمي والعشائري، فإن هذه الشخصية يمكن أن تعود عليه بنتائج محمودة.
ولكن عليه أن يتعلق بهذه الشخصية ويحبها إلى درجة أنها تساهم في فشله وسقوطه في قاعة الامتحان، فإذا تمسك بالدنيا وغاص في وحلها، وأخذته لذاتها وكبلته خطيئتها، حينئذ لا فائدة من هذه الشخصية التي تفضل دار الفناء على دار البقاء.
وهكذا يقع الإنسان في مشكلة (التعلق بالدنيا)، على حساب الآخرة، وبحسب درجة تعلّقه بها، فإن كان التعلق كبيرا كان سقوطه بنفس المستوى الكبير، وإن كان صغيرا سوف يسقط بنفس النسبة، ولكن النتيجة الأفضل هي تلك التي يضمن فيها الإنسان عبوراً تاماً من الفنية إلى الباقية من خلال حسن الأعمال، ورفض خداع الدنيا، والحفاظ على حقوق الناس.
لذا ليس من الصحيح أن يتمسك البشر بالدنيا رغم جمالها وإغراءاتها، الصحيح هو التمسك بما يرضي الله ويراعي حرمات الناس، حتى يكون ذلك سببا بالنجاح في الاختبار الذي أرعب نابليون ولم ترعبه ساحة المعركة بنفس المقدار.



