اراء

حصاد عام من الطوفان.. أمريكا والكيان إلى مزيد من الغرق

بقلم: ايهاب شوقي..

مع الذكرى الأولى لطوفان الأقصى، فإن هناك عاماً استثنائياً لا يقاس زمنياً بأيامه وساعاته، رغم ثقلها وما شهدته من أحزان وابتهاجات، وإنما يقاس استراتيجيا بدلالاته ومعادلاته، وما كشفه من حقائق القوة الكامنة وصوابية الرهان على المقاومة، وما بعثه من وعي في الأمة بعد إزالته الأقنعة ومساحيق التجميل السياسية عن العدو الحقيقي المستتر وطوابير الأمة الخامسة، وهو ما يلخص جميع الحقائق السياسية لأكثر من مئة عام منذ وعد بلفور، ويؤسس لحقبة جديدة تثبت مصداقية أن ما بعد الطوفان ليس كما قبله.

ولتوضيح ذلك، فإن الأمر بحاجة لقراءة علمية متأنية بعيدًا عن المشاهد الهوليودية التي يدمنها الكيان ورعاته بانفجارات مروعة تتصاعد ألسنتها لتدهش الأبصار، واغتيالات مؤلمة للرموز لتدمي القلوب، وهنا يجدر بنا قراءة أهمية ما جرى في السابع من أكتوبر، وما كشفه من هشاشة العدو، ولماذا لجأ لهذه الشراسة والإبادة، والأهم هو المحصلة، وهل نجح العدو في تحقيق أي نصر أم أن النتائج كانت عكسية وأصبح هو ورعاته في وضع انكشاف استراتيجي شامل وتهديد وجودي غير مسبوق؟.

وهذه التوضيحات والإجابات تتطلب قراءة في مجموعة من العناوين الرئيسية:

أولاً: طوفان الأقصى في السياق التاريخي للصراع

اندلع طوفان الأقصى في سياق تاريخي يشهد ذروة إجراءات تصفية القضية والتي اعتمدت على مراحل متتابعة ومخططة يمكن رصدها في ما يأتي:

1 إخراج أكبر جيش عربي من الصراع بعد “معاهدة السلام” المزعومة، وبالتالي أكبر خصم من حيث القوة العسكرية، وما يلازمها من خصم القوة الناعمة بلحاظ دور مصر في الصراع وفي أمتها.

2 تدجين الأنظمة الرسمية العربية ومحاصرة الأنظمة الممانعة والمقاومة بها، وانتزاع القرار الرسمي العربي ووضعه باليد الأمريكية عبر النظام السعودي وسيطرته على الجامعة العربية والمنظمات الإسلامية، وتحديد سقف للعمل العربي بمبادرة تفريط سعودية اتخذت زوراً اسم “المبادرة العربية” رغم تجاهل الكيان لها.

3 الاتفاقات الإبراهيمية المزعومة والتي تجاوزت مبادرة التفريط الرسمية وقفزت للتطبيع حتى قبل تقديم العدو لأي فتات مما طرحته المبادرة، بل وقفزة الى إجراءات تصفوية ملحوظة.

ثانياً: حرب الإبادة وإزالة الأقنعة ودلالاتها

وبلحاظ أن العمود الرئيسي للكيان داخلياً وهو الأمن قد تزلزل، فإن العمود الرئيسي للكيان خارجياً والقائم على الردع، قد تزلزل باشتراك المقاومة في لبنان وتفعيل وحدة ساحات المقاومة، وهو ما فطن العدو إلى أنه تهديد وجودي من المستوى الأول، وفطن الراعي الأمريكي له، مما جعل الرئيس الأمريكي يسارع في ركوب طائرته بأمر من جناح الهيمنة الأمريكي المشغل للبيت الأبيض والكيان، ويعلن وقوف أمريكا مع الكيان في كامل إجراءات الدفاع عن وجوده، وهو ما يدلل على أن التهديد الوجودي لم يقتصر على الكيان بل شمل الهيمنة الأمريكية بالمنطقة، بل والعالم بلحاظ ما يحدث في جبهات الصراع الدولي الأخرى في أوكرانيا وبحر الصين.

ثالثاً: هل حقق العدو مكسباً استراتيجياً واحداً؟

ورغم كل أعداد الضحايا والدمار والجرائم وعلى رأسها الفاجعة الكبرى باغتيال سيد المقاومة، فإن العدو لم يحقق مكسباً استراتيجيا واحداً، بل لم يحقق أي هدف من أهدافه المعلنة على مدى عام كامل.

ففي غزة لم يحرر أسراه ولم يسحق المقاومة، ولم يعِد مستوطناته في “غلاف غزة”، ولم يحل مشكلته الداخلية، بل انتفضت الضفة وعادت العمليات الاستشهادية للقدس ويافا وأثبتت فشلاً وعاراً بقتله لأسراه وعدم اعتنائه بأرواح مواطنيه. ويكفي هنا أن نراقب ما تنشره وسائل إعلام العدو لنكتشف ذلك، وآخرها استطلاع رأي نشرته “هيأة البث الإسرائيلية”، خلص إلى أن 73% من “الإسرائيليين” يعتقدون أن “إسرائيل” فشلت أمام حماس، و86% منهم غير مستعدين للعيش في “غلاف غزة” بعد انتهاء الحرب، وربع “الإسرائيليين” يفكرون بمغادرة “إسرائيل”، وأن 48% من المشاركين في الاستطلاع لديهم قريب قُتل خلال الحرب.

رابعاً: المكاسب الاستراتيجية للمقاومة

رغم كل الجراح والدمار وأعداد الشهداء والجرحى والنزوح وفقدان الرموز، فإن المقاومة تحقق أهدافها المعلنة بتثبيت وجودها وتثبيت وحدة الساحات، بل وطورت إنجازاتها بتصعيد نيرانها وعملياتها في العمق الصهيوني.

واستطاعت المقاومة كسب التحدي المعلن بين الشهيد القائد نصر الله، بعدم عودة مستوطني الشمال، وأصبح استهداف “تل أبيب” عملاً يومياً روتينياً من العراق واليمن ولبنان، وعاد للقضية زخمها المقاوم، وعادت العمليات الاستشهادية التي لا يمكن للعدو وشعبه تحمل رعبها، ويومياً يدخل الملايين في الكيان إلى الملاجئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى