اخر الأخباراوراق المراقب

نظام التكوين والتشريع

هناك تكوين وتشريع، فالتكوين يعني الخلق، والتشريع يعني إصدار الأحكام الشرعية، فاللّه سبحانه وتعالى خلق هذا العالم بالحق، ولم يخلقه عبثاً، قال تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ} فقد خلق اللّه سبحانه وتعالى هذا الكون وجعله ضمن نظام كامل وتام فقال: {مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ} فلا يوجد أيّ خلل في نظام التكوين، وإنّما كل شيء ضمن حكمة، ولذا فحتى الملحدون الذين لا يعترفون بالخالق ولا بحكمة في خلق هذا العالم، حينما يصلون إلى شيء مخلوق ـ سواء من الأجرام السماوية أم الموجودات الأرضية، جماداً أم نباتاً أم حيواناً ـ يقولون: ما هي الفائدة في هذا الشيء؟ فهم بفطرتهم يدركون أنه لا يوجد شيء عبثاً، وحينما يشاهدون ظاهرة جديدة يفكرون في سبب هذه الظاهرة، وما هي فائدتها؟ وإذا تصوّروا أن ذلك الشيء ليس له فائدة فإن تطوّر العلم أثبت بطلان زعمهم. إن البعض إذا لم يعرف فائدة أي عضو من أعضاء الإنسان يقول عنه إنه زائد، ولذا سمّوا الزائدة الدودية بذلك، لكن علم الطب والتشريح أثبت فائدتها، فلا يوجد شيء عبثاً، ولا يوجد شيء بلا فائدة.

وإذا كانت هناك ظواهر يعبّر عنها بالكوارث الطبيعية فهي ضمن حكمة، وفي مصلحة الإنسان، ولأن الإنسان يرى نفسه متضرراً من ذلك الشيء فيسمّيها الكوارث الطبيعية، لكن هي في الواقع ضمن نظام متكامل، فإن اللّه سبحانه وتعالى حكيم، وكل أفعاله بمقتضى الحكمة، ولا يصدر منه خلاف الحكمة. هذا بالنسبة لنظام التكوين.

وأمّا نظام التشريع فحيث إن اللّه سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله مختاراً، فأعطاه العقل والقدرة في التمييز والاختيار، فيمكنه أن يختار الأمور الصحيحة، ويختار الأمور المضرّة؛ لذلك ولطفاً ورحمة بالإنسان أنزل اللّه سبحانه وتعالى التشريع لكي يعمل الإنسان به، ولا يكون عمله مضراً به، ولكن لم يجعله مضطراً ومجبراً على العمل، فهو ليس كالنباتات أو الحيوانات يسير على منهجية واحدة، وإنّما هو مختار للمنهج الذي يريده، فإن اتّبع المنهج الصحيح فهو الرابح، وإن خالفه فهو الخاسر.

والنظام التشريعي متطابق تماماً مع النظام التكويني، وذلك لأن اللّه سبحانه وتعالى عالم بتركيبة الإنسان الجسدية والنفسية لأنه الخالق له، وهو أعلم بما يصلحه مما يفسده؛ فلذا يكون تشريع اللّه سبحانه وتعالى متطابقاً مع تكوين الإنسان، فلا يوجد اختلاف بينهما.

إن البعض يزعم بأن اللّه لم يشرّع لنا شيئاً وإنّما أوكله إلينا، أو كما قال أحدهم: إن اللّه أجلّ وأسمى من أن يشرّع نظاماً للبشر! فبهذا الكلام الباطل يريد أن يقول: إن التشريع بأيدنا مع أنها مغالطة واضحة، فرحمة اللّه ولطفه بعباده وحكمته اقتضت أن يبيّن لهم الطريق الصحيح ويحذرهم عن الطريق الباطل، فلو رأى عالم جاهلاً يوشك أن يسقط في البئر فهل من الصحيح أن يقال: إن العالم أسمى من أن يحذّر الجاهل؟ بل الصحيح أن نقول: إن لطف العالم وحكمته تقتضي إرشاد الجاهل وتحذيره، ولذا يقول اللّه سبحانه وتعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ * هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ} وهاتان الآيتان مترابطتان، فالمعنى أن اللّه هو الخالق الذي أنزل الكتاب، وهو المشرّع، فالخلق من اللّه والتشريع منه.

لذا فاللّه سبحانه وتعالى اختار الأنبياء (عليهم السلام)، وبعدهم الأوصياء، سواء قَبِلَ بهم الناس أو لم يقبلوا، فهذا اختيار اللّه سبحانه وتعالى فيجب أن نتّبعه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا}.

إذن فتشريع اللّه سبحانه وتعالى جاء متطابقاً مع التكوين، فإذا خالف الإنسان التشريع فسيؤدّي إلى ضرره، كما أنه لو خالف التكوين فإنه يصاب بضرر أيضاً.

وذلك لأن هذا النظام التشريعي مطابق لتركيبية الإنسان، فإذا خالفه فسوف تحدث مخالفة بين عمله وبين تركيبته، ونتيجة هذه المخالفة حصول الضرر، قال تعالى: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ}، فلولا فعل الإنسان لم يكن هناك فساد، لا في البر ولا في البحر، فالفساد بسبب أعمال الإنسان.

آثار عدم تطبيق أحكام اللّه تعالى

إن اللّه سبحانه وتعالى أرسل نظاماً تاماً صحيحاً، سواء قبله الناس أم لم يقبلوا، وهو سبحانه وتعالى لا يحتاج إليهم، قال تعالى: {إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِ‍َٔآخَرِينَۚ} لأن اللّه غير عاجز، فإذا كفر الناس كلهم فهو الغني الحميد، ولا يتضرر من ذلك، لأن ما شرّعه اللّه سبحانه وتعالى ـ كالصلاة والصوم والحجاب وغير ذلك ـ إنّما هو لصالح الإنسان، وعدم التزام الناس ببعض هذه الأحكام يعود بالضرر عليهم، وقد جعل اللّه سبحانه وتعالى المسلمين خير أمّة أخرجت للناس حينما التزموا بالشرع، قال تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ} ولكن حينما أعرض بعض المسلمين عن أحكام اللّه سبحانه وتعالى فإن الضرر لحق بهم في الدنيا، وفي الآخرة قال تعالى: {وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ}.

إذا نظرنا إلى مجتمعاتنا فسنلاحظ آثار التدين، من صلاة وصوم، وحجاب وبعض الواجبات الأخرى، وهذه أمور أساسية، لأن: «الصلاة عمود الدين»، و: «الصوم جُنّة من النار» لكن هل بقية أحكام اللّه سبحانه وتعالى مُطبّقة؟ وهل النظام الإسلامي هو الحاكم في الأسرة المسلمة مثلاً؟.

لو تصفحنا القرآن الكريم لوجدنا كثيراً من الأحكام المتعلّقة بالأسرة، من الزواج والطلاق والعدّة والمعاشرة بالمعروف وما إلى ذلك. والمعروف هو ما ينطبق مع فطرة الإنسان فيعرفه العقل، ويأمر به الشرع، فهل الحياة الأسرية قائمة على المعاشرة بالمعروف أم لا؟ إن الكثير من الناس يخالفون أحكام اللّه سبحانه وتعالى في الجانب الأسري، وكذا في الجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فإذا رأينا خللاً فليس من الحكم الإسلامي، وإنّما بسبب مخالفة الناس لأحكام اللّه سبحانه وتعالى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى