“فيتو” سياسي يغلق ملفات الفساد ويبقي المتهمين بسرقة “القرن” خارج أسوار العدالة

أين ذهبت الوعود الحكومية بمحاربته؟
المراقب العراقي/ سداد الخفاجي..
مع تشكيل أية حكومة في العراق، فأن أولى الالتزامات التي تتعهد بها هو محاربة الفساد واتخاذ خطوات، من أجل القضاء على هذه الآفة التي استشرت في جميع مؤسسات الدولة، وأصبحت واحدة من أكبر المعضلات التي تواجهها أية حكومة تتشكل حديثاً، خاصة وان أغلب ملفات الفساد مغطاة بغطاء سياسي يوفر الحماية للفاسدين وسارقي المال العام، وبالتالي يكتب للحكومة الفشل في معالجة ملفات الفساد، بسبب الضغوط التي تُمارس ضدها.
وتعهّد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في بداية تسلمه رئاسة الحكومة، بتشكيل هيأة لمكافحة الفساد مع فريق مساند، مؤكدا أن “تشكيلها جاء وفقاً للمنهاج الوزاري، وبآليات غير تقليدية تتجاوز السلبيات السابقة”، مشيراً إلى أن “الهيأة ستحمل عنواناً استثنائياً (الهيأة العليا لمكافحة الفساد)، وأن من أهدافها مواجهة ملفات الفساد الكبرى واسترداد المطلوبين بقضايا الفساد والأموال العامة المعتدى عليها”.
سرقة الأمانات الضريبية أو ما تُعرف إعلامياً بـ”سرقة القرن” واحدة من أكبر عمليات الفساد في العراق، والتي توعدت الحكومة الحالية باسترجاع أموالها التي هُرّبت واعتقال المتورطين فيها وتقديمهم الى العدالة، وبعد تشكيل لجان تحقيقية تم الإعلان عن التوصّل الى خيوط مهمة في القضية، وبرز اسم نور زهير كمتهم أول، بالإضافة الى أسماء أخرى كبيرة في حكومة الكاظمي، إذ توعدت الحكومة بتقديمهم الى العدالة، لينالوا جزاءهم العادل، لكن ولغاية يومنا هذا، لم يُتخذ أي اجراء حقيقي بحق المتهمين، وهو ما يضع الحكومة والقضاء أمام مرمى الانتقادات.
ويعزو مراقبون عجز الحكومة عن فتح ملفات الفساد الكبيرة ومحاكمة مرتكبيها الى الفيتو السياسي الذي توفره بعض الأحزاب السياسية المتنفذة، التي تحاول تسويف تلك القضايا بسبب تورطها، ما يهدد مستقبلها السياسي، وبالتالي تعمل على عرقلة الإجراءات القضائية وتهريب المتهمين الى خارج البلاد، لتبقى تلك الملفات ضمن أدراج القضاء دون ان يتم التحرّك نحوها بصورة جدية، وليستمر معها مسلسل الفساد في وزارات ودوائر الدولة.
وقررت محكمة التمييز الاتحادية يوم أمس الأربعاء، تأجيل محاكمة المتهم بسرقة “القرن” نور زهير بسبب سفره خارج العراق، ممّا أثار انتقادات لاذعة بسبب السماح للمتهمين البقاء أحراراً دون ان تتم محاكمتهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
وحول هذا الموضوع، يقول الخبير القانوني زهير ضياء الدين، ان “ملفات الفساد في العراق يتحكم بها المزاج السياسي، فقرار الإفراج عن المتهم نور زهير كان يجب أن يتضمن منعه من السفر، بالإضافة إلى حجز أمواله المنقولة وغير المنقولة”.
وأضاف ضياء الدين لـ”المراقب العراقي”: ان “المعلومات تشير إلى أن المتهم خارج العراق، وبالتالي فإن المحكمة أمام خيارين: الأول هو تأجيل المحاكمة لحين حضوره، أو الاستمرار في المحاكمة غيابياً وإصدار القرار بحقه”، مشيراً إلى أن “حضوره في المحكمة أفضل من الناحية القانونية”.
وأضاف: أن “الكفلاء ملزمون بإحضار نور زهير إلى العراق، وفي حال عدم تمكنهم من إحضاره، تصدر المحكمة حكماً غيابياً، وبعد أن يأخذ القرار درجة النفاذ، يتم التعاون مع الإنتربول لغرض إعادته إلى العراق، لتنفيذ الحكم الصادر بحقه”.
وأشار الى ان “هناك جهات سياسية تحاول ان تسوّف بعض ملفات الفساد بسبب تورطها بتلك القضايا، لأن عدم اصدار حكم أو محاسبة المتورطين يضعف سلطة القضاء”.
ويوم الثلاثاء الماضي، أعرب رئيس هيأة النزاهة القاضي حيدر حنون، عن أمله بصدور حكم “غليظ ورادع” بحق “نور زهير” المتهم الأول بسرقة الأمانات الضريبية ما تُعرف بـ”سرقة القرن”، مشدداً على أنه “لن يفلت من العقاب” لتورطه بقضايا فساد أخرى”، منوهاً الى ان “محكمة التحقيق أحالت القضية الأولى التي تخص نور زهير إلى القضاء، وهناك متهمون آخرون بعضهم تمت كفالتهم”.
وتتمثل “سرقة القرن” باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي بما يعادل نحو مليارين ونصف المليار دولار من أموال الأمانات الضريبية، وتم الكشف عنها من قبل جهات معنية عدة قبل نحو شهرين من انتهاء فترة حكم الحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي.



