قراءة في استدارة واشنطن نحو السودان عبر بوابة جنيف

بقلم: ثابت العمور..
بعد أكثر من عام على عمر الصراع الدائر في السودان، استدارت الولايات المتحدة الأمريكية إليه، وألقت بثقلها لإقناع طرفي الصراع -الجيش والدعم السريع- بالمشاركة في المفاوضات المزمع انعقادها في جنيف السويسرية بمشاركة السعودية كدولة مضيفة مع سويسرا، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومصر والإمارات بصفة مراقب، وذلك لبحث وقف القتال وإيصال المساعدات الإنسانية.
شهدت جنيف خلال الأسبوعين الماضيين، حراكاً برعاية الأمم المتحدة من أجل استضافة طرفي الصراع السوداني، لبحث قضايا تتعلق بالبعد الإنساني، ولا سيما إيصال المساعدات وحماية المدنيين، وهذه هي المرة الأولى التي يوافق فيها الطرفان على مناقشة المسألة الإنسانية منذ توقف مفاوضات جدة في كانون الأول الماضي، والتي انتهت من دون التوصل إلى اتفاق.
طريق السودان إلى جنيف لم يخلُ من المعوقات والاشتراطات. وقد تردد الجيش السوداني في قبول الدعوة، ليعلن موافقته لاحقاً، ولم تكن موافقة الجيش نزولاً عند قناعة بجدوى الذهاب أو بإمكانية اجتراح اتفاق، ولكن لأن واشنطن لوحت لقائد الجيش السوداني بورقة الاعتراف والشرعية، ثم رمت هذه المرة بكل ثقلها من أجل الذهاب إلى جنيف، لا لقناعة هذه الأخيرة بضرورة حل الصراع في السودان وإنهائه، ولكن لحسابات ومصالح أمريكية بحتة.
استشعر البرهان قبل موافقة الجيش السوداني على الذهاب إلى جنيف بأنَّ هناك رغبة أمريكية ملحّة في ذلك، فالتقط تلك الرغبة، وأوعز إلى خلية مجلس السيادة ووزارة الخارجية السودانية بأن تناقش مع الإدارة الأمريكية ثلاث قضايا، كان تجاهل واحدة منها كفيلاً بنسف المحاولات الأمريكية وتفجير لقاء جنيف قبل حدوثه.
تلك القضايا هي أولاً: مناقشة مفردات ما جاء في الخطاب الأمريكي، ولاسيما في إرسال الدعوة إلى البرهان بصفته العسكرية من دون تسميته “رئيس مجلس السيادة”، وثانياً: عدم مشاورة السودان في المراقبين المدعوين إلى لقاء جنيف، ومنهم من هو متهم بدعم قوات الدعم السريع، وثالثاً: عدم تنفيذ “إعلان جدة” الموقّع في أيار 2023.
التقطت إدارة الرئيس بايدن رغبة البرهان الشخصية في البحث عن الشرعية، فأوعزت إلى الخارجية الأمريكية بمخاطبة البرهان والاعتراف به رئيساً لمجلس السيادة واستعدادها لاستخدام الصفة في الدعوات الرسمية، وأن يكون إعلان المبادئ الموقّع في جدة مرجعية لمفاوضات جنيف، ومنح الأولوية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
تطرح مفاوضات جنيف المرتقبة بأطرافها السودانية والإقليمية والدولية مجموعة تساؤلات مشروعة لا تتعلق فقط بجدية ورغبة تلك الأطراف بإنهاء الصراع في السودان، بقدر ما ترتبط بمصالح ومحددات ودوافع وحسابات كل طرف وفي المركز الطرف الأمريكي.
والسؤال المركزي: لماذا ألقت الولايات المتحدة الأمريكية بكل ثقلها، من أجل إقناع الجيش السوداني وقائده عبد الفتاح البرهان المشاركة في مفاوضات جنيف، بما في ذلك التحول في الخطاب وفي تعريف وتوصيف البرهان الذي لطالما عرّفت عنه الإدارة الأمريكية منذ انقلاب 25 تشرين الأول 2021 بـ”قائد القوات المسلحة”، وهو التوصيف الذي جاء في بيان الخارجية الأمريكية في 28 أيار 2024، لتُعرفه هذه المرة في بيان الخارجية الأمريكية في 5 آب الجاري بأنه “رئيس مجلس السيادة”، وهو ما يُعد تحولاً في الخطاب الأمريكي تُجاه تعريف البرهان وتوصيفه، لكنه يبدو أيضاً تحولاً محدوداً، ومن أجل إقناع البرهان بالمشاركة في مفاوضات جنيف التي تسعى واشنطن لعقدها في 14 آب الجاري.
تجاوزت واشنطن قضية ورمزية توصيف البرهان، وكانت قبل ذلك قد حفزته واسترضته في أيار الماضي بمكالمة هاتفية استغرقت 30 دقيقة أجراها وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، بحث خلالها مع رئيس “مجلس السيادة” عبد الفتاح البرهان إنهاء الصراع في السودان وتوصيل المساعدات الإنسانية.
شكّل اتصال وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في أيار الماضي، نقطة تحول واستدارة مفاجئة من واشنطن باتجاه السودان، ذلك أن واشنطن سكتت وغضَّت الطرف على الانتهاكات والجرائم التي شهدها السودان منذ اندلاع الصراع في 15 نيسان 2023.
محددات الاستدارة الأمريكية نحو الصراع الدائر في السودان والاهتمام المفاجئ لا يعنيان، أن صحوة ضمير أمريكية قد حدثت بقدر ما يعنيان أن هناك متغيرات دولية فرضت تداعياتها على الأجندة الأمريكية لتقديم الملف السوداني ليصبح أولوية. ومن بين المحددات التي تفسر الاستدارة الأمريكية إلى السودان، وجود مخاوف أمريكية من تمدد حضور روسيا في السودان، وخصوصاً في البحر الأحمر، ولا سيما أن هناك تلميحاً وتلويحاً سودانياً عبّر عنه مؤخراً الجنرال ياسر العطا مساعد القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة السوداني، في تصريحات تلفزيونية، قال فيها، إن روسيا طلبت من السلطات السودانية إقامة محطة للتزويد بالوقود في البحر الأحمر في مقابل توفير أسلحة وذخيرة، وأن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان سيوقع على اتفاقيات بهذا الصدد قريباً.
إن استدارة واشنطن إلى الصراع الحاصل في السودان جاءت متأخرة جداً، وهي مجرد محاولة محكوم عليها مسبقاً بالفشل، ذلك أن واشنطن حصرت الصراع السوداني في الذهاب إلى مفاوضات جنيف التي لا يمكن التعويل عليها لمجرد موافقة طرفي الصراع في السودان على الحضور والمشاركة، ذلك أن الاتفاق الإنساني الذي توصلت إليه قوات الدعم السريع مع الأمم المتحدة في مفاوضات غير مباشرة عقدت في جنيف قبل أكثر من أسبوعين لم يسفر حتى الآن عن جديد، ولم تصل المساعدات إلى معسكرات النازحين في دارفور، مضافاً إلى ذلك كله انعدام ثقة السودانيين بالدور الأمريكي. وبالتالي، فإن فشل واشنطن في إحداث اختراق في الصراع السوداني في جنيف هو السيناريو الأقرب والمتوقع.



