رحلة السيدة زينب “عليها السلام” إلى الشام

تكللت رحلة نساء آل بيت النبوة إلى الشام، مصاعب ومتاعب عدة، في ظل المصاب الذي حلَّ بالإمام الحسين “عليه السلام” وأهله وأصحابه في واقعة الطف، ومن ثم أخذ النساء إلى رحلة طويلة من السبي.
وحان وقت الرحيل، ليتكرر السبي والألم المرير، فَرِحلُ السبايا الى الشام يسير، تتقدمهم رؤوس على الرمح تنير، وخلفهم نساء وأطفال تشكو بَثها وحُزنها الى العلي القدير. ترحالٌ بين محطات مختلفة بطعام وشراب قليل، وقسوة ووعورة طريق ليس بقصير تضيف لآلام الفقد آلام العذاب والمعاناة، أفئدة جفت غرفها ويبست عروقها من هول ما رأت من ويل ومصاب أمامها.
أفكار زينبية مشتتة.. فزينب “عليها السلام” تعلم جيداً، ان سبيها الى الشام لن يكون أمرا سهلا، ورحلة الى رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، كما وصفه الإمام الحسين “عليه السلام”، “عندما طلب يزيد من الإمام البيعة” نعم.. تعلم حامية العيال والنساء إنها مسبية الى شخص عشق الظلم حتى تطاولت يداه لقتل سيد شباب أهل الجنة.
رحلتهم الجديدة ألبسها لون مختلف، حيث أمر بتسيير السبايا والرؤوس من أطول طريق مأهول بالسكان، على الرغم من انه كان بإمكانهم تسييرهم عبر الطرق الصحراوية القصيرة الواصلة بين الكوفة ودمشق، فأحقادهم الجاهلية وضغينتهم البدرية، دفعتهم الى الانشاد بهدفهم، ألا وهو حب التشهير بمقتل الحسين “عليه السلام” والى اذاعة خبر وفاته بالآفاق، ليعلم الناس بقتله، ولكي لا يبقى أي أمل لمحبي أهل البيت في مقاتلة يزيد، بعد ان قتل ابن بنت نبيهم.
رحلة مريرة، وأيام عسرة، فسبي أوله رؤوس على الرماح، وأوسطه خوف ونساء وعيال، وآخره مجهول. وقد عبّر الإمام علي بن الحسين “عليه السلام” عن ذلك… فعن الإمام جعفر ابن محمد “عليه السلام” قال لي أبي محمد الباقر “عليه السلام”: سألت أبي علي بن الحسين “عليه السلام” عن حمل يزيد له فقال: حملني على بعير يظلع (أي جمل يعرج في مشيته) بغير وطاء، ورأس الحسين “عليه السلام” على علم، ونسوتنا خلفي على بغال واكفة، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح، إن دمعت عين من أحدنا قرع رأسه بالرمح، حتى إذا دخلنا دمشق، صاح صائح: يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت.
نعم فقد وصلوا سبايا أهل البيت فخرج لاستقبالهم الرجال والنساء والصغار والكبار، حاملين معهم الطبول والدفوف والأبواق وسائر آلات اللهو، مكحلي العيون، لبسوا أفخر الملابس وتزينوا أحسن زينة.. خرجوا ليشاهدوا السبايا والرؤوس بعد ان أوقفوهم على باب الشام ثلاثة أيام حتى يُكملوا تزيين المدينة بأبهى وأجمل زينة.
وبعد ذلك جيء بالرؤوس والسبايا الى دمشق، وأدخلوهم حسب اجماع أغلب الروايات من (باب توما).. ثم مروا بهم بأبواب عدة، باب جيرون وباب الفراديس وباب الساعات وعند وصولهم كان يزيد مطلاً على منظر في جيرون، فلما نظر الى السبايا والرؤوس قد وضعت على الحِراب، امتلأ سروراً.
وعن سهل ابن سعد قال: ودخل الناس من باب الخيزران فدخلت في جملتهم، وإذا قد اقبل ثمانية عشر رأساً، وإذا السبايا على المطايا بغير وطاء، ورأس الحسين “عليه السلام” بيد الشمر.
ثم ادخلت السبايا على يزيد وفي مقتل الخوارزمي يقول: ان أول من دخل شمر بن ذي الجوشن بعلي بن الحسين “عليه السلام” ويداه مغلولتان الى عنقه. وفي معالي السبطين للمازنداني، حيث يذكر قول الإمام الباقر “عليه السلام”: أتى بنا يزيد بن معاوية بعدما قتل الحسين بن علي “عليه السلام” ونحن أثني عشر غلاماً، وكان أكبرنا يومئذ علي بن الحسين فأدخلنا عليه وكان كل واحد منا مغلولة يده الى عنقه.
ثم أمر يزيد بإحضار السبايا بين يديه، فأخذ يسأل عنهم واحدة تلو الأخرى، ثم أمر بحط الرأس عن الرمح، وأن يوضع في طشت ذهب، ويغطى بمنديل، ويدخل بِه عليه. فوضعوا رأس الحسين بين يدي يزيد، فقالت سكينة: “ما رأيت أقسى قلباً من يزيد، ولا كافراً ولا مشركاً شراً منه، ولا أجفى منه”.



