توظيف القوة الهندية الصلبة للبحث عن موطئ قدم في أفريقيا

بقلم: محمد نادر العمري..
لم تكن معالم ومحدّدات السياسة الخارجية الهندية تجاه أفريقيا ذات اهتمام متبلور منذ القدم، بل يعود اهتمام صانع السياسات لنيودلهي بتعزيز علاقات دولته مع الدول الأفريقية، لسنوات قليلة سابقة، نتيجة عدة اعتبارات، من أبرزها تشجيع الولايات المتحدة الأميركية على توسيع نفوذ الهند داخل هذه الخارطة بما يعزز من حضور واشنطن غير المباشر عبر حلفائها في أغنى قارة في العالم، وأهمها جيبولوتيكيًا، ولا سيما أن واشنطن تستغل صراع النفوذين الصيني والهندي في آسيا الوسطى وغرب آسيا لتوسع من نطاقه باتّجاه القارة الأفريقية، وهو ما برز مؤخرًا من خلال طرح الرئيس الأميركي جو بايدن نهاية عام 2022، مشروع الممر الهندي – الأوروبي، الهادف لتعزيز النفوذ الهندي ومحاولة احتواء مشروع الحزام والطريق الصيني، كما أن الهند تسعى لوضع موطئ قدم لها في المياه الإقليمية للشواطئ الأفريقية، في إطار توجهاتها لتعزيز نفوذها البحري في المياه الإفريقية التي تشهد زخمًا من صراع النفوذ والتوسع، نظرًا لما تشكله مسألة أمن الممرات البحرية الحيوية من أهمية للتجارة الهندية، خاصة في مناطق غرب المحيط الهندي والبحر الأحمر الاستراتيجية، كون ما يقارب 80% من واردات الهند النفطية و95% من حجم تجارتها يتم نقله عبر تلك المياه. وهو ما يفسر إرسال الهند 12 سفينة حربية إلى بحر العرب وخليج عدن بعد تصاعد وتيرة الصراع وعمليات المقاومة اليمنية ضدّ المصالح “الإسرائيلية” نهاية عام 2023، كما أنها تفسر النشاط الهندي في دول الساحل الشرقي لأفريقيا مثل كينيا وتنزانيا وموزمبيق وغيرها.
ولكن بسبب ضعف الإمكانيات الاقتصادية الهندية وعدم امتلاكها أدوات السياسة الناعمة، وحجم التنافس الدولي الكبير الذي تشهده القارة، والتبدلات والأوضاع غير المستقرة من انقلابات عسكرية ونزاعات مختلفة، سعت الهند لتوطيد علاقاتها مع الدول الأفريقية من خلال تبني استراتيجية القوّة “الصلبة”، التي تتمثل بمجموعة من النشاطات العسكرية متعددة الأوجه والأبعاد، دون أن يتضمن ذلك ممارسة النشاطات العسكرية العنيفة وكذلك النشاطات غير الحربية، بشكل تكرس نيودلهي وجودها في هذه القارة عبر ما يمكن تسميته بالدبلوماسية العسكرية، وهو ما اتّخذ أشكالًا متعددة من أبرزها:
–باتت دبلوماسية الدفاع حاجة ضرورية ومساعدة لصياغة العلاقات الاستراتيجية بين الهند والكثير من الدول الأفريقية التي تعاني أزمات أمنية متعددة التعبيرات، فالركيزة الجديدة لعلاقات نيودلهي مع العديد من الدول الأفريقية، جعلت منها فاعلًا مؤثرًا في تحديد المعالم الاستراتيجية الدفاعية لكثير من هذه الدول من خلال توظيف التعاون الدفاعي لتتحول بذلك الهند نحو توظيف إمكانياتها في تكريس السلام. وبذلك تمثل العلاقات العسكرية مدخلًا هامًا لتوثيق الروابط الهندية مع الدول الأفريقية وفق دراسة تم وضعها من قبل هيأة الأركان الهندية نهاية عام 2022، وبالتالي توسيع الهند لنفوذها الجيوسياسي على المستوى الدولي وتأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، كما أنه يعزز من صورتها كقوة عالمية صاعدة.
– من خلال استراتيجية القوّة الصلبة تستطيع الهند تنمية اقتصادها وصناعاتها، ولا سيما تلك الاقتصادات والصناعات الخاصة بالمجمعات الصناعية العسكرية والأمنية، في ترجمة لأحد أهداف الهند الساعية لفتح أسواق جديدة لصناعاتها الدفاعية، حيث تعاني القارة الأفريقية طيفا واسعا من المهدّدات الأمنية، مما يجعلها سوقًا خصبة للمنتجات العسكرية والأمنية وتزيد في الوقت نفسه من نفوذها السياسي لدى الأطراف المصدرة.
وفي هذا الإطار غرد وزير الدفاع الهندي راجات سينغ مطلع شهر تموز الماضي، مؤكدًا أن بلاده سجلت أعلى نمو على الإطلاق في قيمة الإنتاج الدفاعي في الفترة 2023 – 2024، بزيادة قدرها 16.8% مقارنة بقيمة الإنتاج السابقة 2022 – 2023. وهذه الزيادة كانت نتيجة توجه القيادة الهندية للاهتمام بالصناعات الدفاعية بما يجعلها تتطور تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة عاملين: الأول الإجراءات الحكومية الداعمة لزيادة توطين الصناعات العسكرية وتعزيزها تحت مبادرة “صُنع في الهند”، والعامل الثاني يتمثل في الاهتمام بإنتاج هذه الصناعات بما يلبي احتياجات الدول الأفريقية، وهو ما جعل الهند رابع أكبر المنفقين على السلاح في العالم بما قيمته 83.6 مليار دولار، وفق تصنيف تقرير صادر عام 2023 عن معهد ستوكهولم لدراسة السلام الدولي.
الهند الساعية إلى رفع صادراتها السنوية من الأسلحة من نحو 1.7 مليار دولار إلى 6 مليارات خلال السنوات الخمس القادمة، والتي تخصص 20% من صادراتها العسكرية إلى بعض دول الأفريقية في إطار تعزيز وجودها السياسي في هذه القارة تُواجَه بالعديد من التحديات من أبرزها:
– رغبة الهند في التنافس مع النفوذ الصيني، غرب المحيط الهندي والسواحل الأفريقية، غير معقول منطقيًا، كون الصين تمتلك الإمكانيات المادية وحجم أسطول بحري أكبر بأربع مرات من الأسطول الهندي، كما أن ما تنفقه الهند في المجال العسكري لا يعادل ربع ما تنفقه الصين سنويًا، فضلًا عن أن الصين التي ترغب الهند في مزاحمتها ضمن هذه الرقعة الجغرافية، لديها العديد من وسائل تعزيز نفوذها في مناطق واسعة من أفريقيا بما في ذلك التكنولوجيا والاقتصاد والاستثمارات.
– توجه الهند لتوسيع نفوذها داخل القارة الأفريقية من حيث بيع المعدات الدفاعية للهيمنة على السوق الداخلي للقارة، يواجه بعقبة الهيمنة الروسية التي تعد المورد الأول لدول القارة من خلال تفرد موسكو بـ27% من الصادرات العسكرية الموجهة لدول جنوب الصحراء، وفقًا لتقرير معهد ستوكهولم للسلام العالمي لعام 2023، فضلًا عن أن بعض الدول الأفريقية تعتمد تأريخيًا على السلاح الروسي.



