تأصيل التقوى في حياة الإمام زين العابدين “ع”

حكمت السيد صاحب البخاتي..
تعد الأجساد الطاهرة هياكل الأرواح المقدسة، وتستمد تلك الأجساد طهارتها من الأرواح المقدسة التي تتلقى قداستها من المعارج الى أفلاك العرش الأعلى، حيث تتماهى وشؤون ذلك العالم الإلهي، وفي مقام سدرة المنتهى تتماهى البشرية في تلك الأحوال وتصاغ الأرواح مرة أخرى بالمضامين الإلهية، فيكون بشراً معصوماً وخلقاً إلهياً وصنعاً ربانياً.
هكذا أرواح الأئمة في رحلتها الدائمة في عالم الجبروت ثم عودتها الى عالم الملكوت وهي تحمل عبق اللقاء الإلهي وتضمينات انفتاحات العلوم الإلهية والعطايا الربانية، ونجد في الروايات عن الأئمة “عليهم السلام” مسارات تلك الرحلات وأسرار هذه اللقاءات وهي لا تمت الى الغلو بصلة، ولكنها ممارسات ورياضات الأرواح المعصومة ويتفهمها المتلقون من أصناف عالمها أي عالم أرواحهم عليهم السلام، “فأمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان”.
وفي مسارات تلك الأرواح نحو اللقاء الإلهي ورحلتها في عالم الجبروت جاءت الرواية (عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: قال لي: يا أبا يحيى إن لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن، قال قلت جعلت فداك وما ذاك الشأن قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى عليهم السلام وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم، يعرج بها إلى السماء حتى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعا وتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملؤا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير)، وفي رواية أخرى عنه عليه السلام (قال: ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور قلت: كيف ذلك؟ جعلت فداك قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله “صلى الله عليه وآله” العرش ووافى الأئمة “عليهم السلام” ووافيت معهم، فما أرجع إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي)، وفي رجعتهم من عالم الجبروت وأفلاك العرش الى عالم الملكوت وحياة البشر تتجلى تلك النفحات الإلهية والسمات الروحانية في عباداتهم وسلوكهم وأعرافهم وعاداتهم “عليهم السلام”.
وقد كان الإمام العابد والزاهد الرائد أبو الحسين علي بن الحسين زين العابدين المثل الأعلى للأئمة التسعة المعصومين، فقد تضافرت الرواية عن أبنائه والأوصياء من بعده على ذكر مناقبه العبادية وأوراده الروحانية وانقطاعه الى الله تعالى وهي تكشف عن تأصيلات التقوى الجذرية في النفس الطائعة العابدة لله تعالى والتي كانت محل انبهار تلك الذوات المقدسة وتداول ذكرهم لها من أجل الاقتداء بها، فهو القدوة لهم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو القدوة له وذلك سره وسر اشتهاره بفرادة العبادة، فقد روي عن ولده أبي جعفر محمد بن علي الباقر “عليه السلام”، (ولقد دخل أبو جعفر ابنه عليه فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه وقد اصفر لونه من السهر ورمضت عيناه من البكاء ودرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وقد ورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له، فاذا هو يفكر فالتفت إليَّ بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجراً، وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب).
وفي اقتداء سيد الساجدين وزين العابدين “عليه السلام” بأمير المؤمنين “عليه السلام” وفي انفراده من بين ولده من الأئمة بهذا الاقتداء المنقطع النظير ودون إدراك أحد من الخلق هذه المنزلة، روي عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق “عليه السلام” انه (ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأطراه ومدحه بما هو أهله، ثم قال: والله ما أكل علي بن أبي طالب من الدنيا حراماً قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله رضا إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله نازلة قط إلا دعاه ثقة به، وما أطاق عمل رسول الله من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار، مما كد بيديه ورشح منه جبينه، وإن كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس إذا فضل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين).
وكيف لا تعرج روحه في مدارك الكمال تلك وأفلاك العصمة هذه وهو يروح في كل يوم وليلة ألف مرة نحو اللقاء بالحبيب الأبدي والشوق السرمدي الى رب الروح وهيكلها الجسدي، فقد روي أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وهو تعبير عن استغراق زمنه الكلي بالصلاة والمناجاة والقيام بين يدي الله تعالى، وقد جاء في الخبر عن أبي جعفر الباقر “عليه السلام” (كان علي بن الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة، وكانت له خمسمائة نخلة، فكان يصلي عند كل نخلة ركعتين، وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كان أعضاؤه ترتعد من خشية الله وكان يصلي صلاة مودع، يرى أنه لا يصلي بعدها أبدا).



