اراء

جبهة المقاومة في مواجهة “الجناح العسكري” الأمريكي

بقلم: إيهاب شوقي..

عند المحطات التأريخية الحاسمة تتميّز الحسابات السياسية بالدقة الشديدة. وعند المفاصل الاستراتيجية لا بد من أن تكون الخطط مدروسة بأقل هامش ممكن للخطأ. وعند المعارك العسكرية الوجودية، فإن المعادلات وإدارة المعركة تتطلب براعة وحنكة ورؤية بانورامية شاملة لكامل الجبهات ورؤية ميكروسكوبية دقيقة لكل تفاصيل هذه الجبهات.

وقد شاءت الأقدار أننا نمر بمحطة تأريخية ومفصل استراتيجي ومعركة وجودية في آن واحد، وهو ما يجعل جبهات المقاومة وقادتها في لحظة استثنائية، ناهيك عن جماهير المقاومة وشعوب المنطقة التي تترقب انقلابات جيوسياسية كبرى تنتظر نهاية الحرب الراهنة ونتائجها.

والشاهد هنا، هو التوصيف الدقيق الواجب لأطراف المواجهة ومن يقودها وهل نحارب الكيان الصهيوني بمفرده وأميركا مجرد داعم ومساند، وهل هناك خلافات يمكن الرهان عليها بين شخص رئيس الوزراء الصهيوني وشخص رئيس أميركا أيًّا كان حزبه -ديمقراطيًّا أم جمهوريًّا- لأن الإجابة بدقة عن هذه الأسئلة تترتب عليها حسابات القوّة ومراحل التصعيد واستراتيجيات المعركة.

ومن الواضح أن هناك ثوابت متفقًا عليها وهناك بعض الأمور التي تخضع لخلافات تحليلية. وإذا ما رصدنا المتفق عليه، فهو ينحصر في أن الولايات المتحدة بمختلف رؤسائها وأحزابها الحاكمة ملتزمون بأمن الكيان الصهيوني وبتسليحه وضمان تفوقه ومساندته في المحافل الدولية وبالسعي الدؤوب لحصار المقاومة وترتيب البيئة الإقليمية باتّجاه التطبيع وشرعنة وجود الكيان.

وإذا ما رصدنا الأمور التي تخضع لتمايزات قد تصل للخلافات التحليلية، فإنها تتعلق بتفاصيل تبدو صغيرة، ولكن قد تؤدي إلى هوامش كبيرة من خطأ الحسابات. ولكن أهم هذه الخلافات تتعلق بمن يقود الآخر، هل الكيان هو المتحكم بأميركا بفضل وجود اللوبي الصهيوني القوي بالداخل ووجود صهاينة بمفاصل حساسة بالحكم مثل الكونغرس والخارجية وأيضًا على مستوى الرؤساء، أم أن أميركا هي القائد الحقيقي والكيان هو كيان وظيفي يعمل لصالح أميركا ولا يملك مخالفتها حتّى ولو أراد هذه المخالفة.

ولكن هنا لا بد من توضيح بعض النقاط:

أولًا: لو كانت هناك ضمانة “إسرائيلية” أميركية لسحق المقاومة في ساحاتها المختلفة دون كلفة ودون مقابلة التوسعة بالتوسعة والدمار بالدمار، لما تردّدت أميركا والكيان من الإقدام على هذا العدوان.

ثانيًا: تعتمد “إسرائيل” في تهديداتها للبنان -على سبيل المثال بإعادته للعصر الحجري- على الاستقواء بالسلاح الأميركي، بينما قامت المقاومة في لبنان بردع العدوّ وأميركا معًا، عندما أثبتت للعدو عمليًّا أنها تمتلك بنكًا للأهداف يعيده للعصر الحجري، وأنها لا تخشى التهديدات الأميركية التي حاولت تخويف الحزب لمنعه من إسناد غزّة، وهو سقوط للردع الصهيوني والأميركي، يضاف إليه سقوط الردع على يد أنصار الله في اليمن حينما استهدفوا أميركا بشكل مباشر ثمّ استهداف عمق الكيان.

ثالثًا: عدم خضوع ساحات المقاومة للتهديد بالحرب الشاملة هو دليل دامغ على الجهوزية لهذه الحرب.

وهنا يجب التوقف قليلًا لمحاولة الإجابة عن التساؤل الرئيسي، وهو من يقود العدوان؟ وهل هناك خلافات بين الحزب الديمقراطي والجمهوري يمكن التعويل عليها، أو خلافات بين أميركا بوجه عام والكيان الصهيوني يمكن وضعها في الحسبان؟

هناك مصطلح شائع يتعلق بكيان خفي يحكم أميركا، ويشتهر إعلاميا باسم “الدولة العميقة”، وهو يستخدم للإشارة إلى فكرة وجود كادر من الموظفين المهنيين داخل الحكومة يعملون معًا للتلاعب سرًا بسياسة الحكومة وتقويض القادة المنتخبين أو المعينين السياسيين، ويمكن لهؤلاء الأشخاص أن يشغلوا مناصب في المجالات العسكرية أو الاستخباراتية، بالإضافة إلى مجالات حكومية أخرى مثل الوكالات البيروقراطية، ولا يُعنى بها حكومة بالمفهوم التقليدي، بل يعنى بها شخصية اعتبارية تجمع كلّ قوى رأس المال الخاص المتمثل في المؤسسات الأخطبوطية والشركات العملاقة عابرة الجنسيات، التي تجسد الجبروت الاقتصادي المصحوب بالجبروت السياسي أو الاجتماعي أو الاثنين معًا.

وهذا المصطلح ليس جديدًا، كما أنه يلقى رواجًا داخل المجتمع الأميركي، فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة ABC News وواشنطن بوست منذ عدة سنوات أن ما يقرب من نصف الأميركيين يعتقدون أن هناك “دولة عميقة” تعمل داخل الحكومة الفيدرالية. وقد تم تعريفهم في الاستطلاع بأنهم “مسؤولون عسكريون ومخابرات وحكوميون يحاولون التلاعب سرًا بسياسة الحكومة”. ويعتقد أغلبية 48% أن “الدولة العميقة” موجودة، بينما يقول الثلث فقط 35% أنها مجرد نظرية مؤامرة.

والأهم أنه، وخلافًا لأغلب القضايا، فإن الإيمان بـ”الدولة العميقة” يأتي بالتساوي بين كلا الحزبين، حيث يقول 45% من الديمقراطيين إن هناك دولة عميقة، ويقول 46% من الجمهوريين الأمر نفسه. ويعتقد 51% من المستقلين بهذا الأمر أيضًا.

ورغم أن موضوع الحكومة الخفية أو الدولة العميقة يعد موضوعًا خلافيًّا بين الباحثين، إلا أنه يصعب تصور ترك القرار في قوة عظمى عالمية مثل أميركا ولها انتشار وهيمنة وصراعات دولية، في يد شخص رئيس أو حزب حاكم أو حتّى هيأة وازنة مثل الكونغرس بمجلسيه. ولا تنفصم السياسة الخارجية لأي بلد عن مصالح النخبة الحاكمة وعن أيديولوجيتها اللتين تهيمنان على أنماط مسارها، وتذهب التحليلات الرصينة بالفعل إلى أن الطبقة الرأسمالية التي تهيمن على آليات صنع القرار تسعى لتوطيد مصالحها وتعزيز قدرتها داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، ومهمة البنى السياسية هي خلق المناخ الثقافي والاقتصادي والسياسي والقانوني الذي يسهل بقاء عجلة الربح دائرة.

هنا تتعامل القوى المُقاوِمة للهيمنة وتتعامل جبهة المقاومة مع هذا الجناح الأميركي المشغل للبيت الأبيض أيًّا كان رئيسه، وهنا يعّد الكيان مجندًا لدى هذا الجناح، وهنا تقوم الحسابات الاستراتيجية الكبرى بعيدًا عن المناورات السياسية وخداع الرأي العام العالمي وتحليلات الفضائيات المغرضة والخادمة للجناح العسكري الأميركي وتعمل لديه بمثابة جناح سياسي مساعد.

تعلم المقاومة حجم معركتها وتسير فيها بحكمة وشجاعة وخطى استراتيجية ثابتة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى