اخر الأخبارثقافية

“البحرين 1923.. نقد منهجي للسردية السائدة عن عِشرينيّات القرن الماضي”

صدر كتاب جديد للكاتب الصحافي عباس بو صفوان بعنوان “البحرين 1923: نقد منهجي للسردية السائدة عن عِشرينيّات القرن الماضي” في البحرين.

يتطلع هذا الكتاب إلى إعادة تأويل تلك المجريات، التي ما زالت تفعل فعلها في حياة الدّولة البحرينيّة: بنية سياسيّة، وتوازنات اقتصاديّة، وتراتبيّات مجتمعيّة.

وإذ نقَدِّر الجهود البحثيّة التي عالجت تلك الوقائع التأريخيّة، التي أستفدنا منها كثيراً في تقديم هذه القراءة الجديدة، نفترض أنّ الرّواية المتداولة عما جرى قبل مئة عام، خلطت بين مركز الحدث وهامشه، وعزلت الجُزُر عن السّياق الإقليمي والدولي الأوْسَع، وقلّلت من الغايات الكبرى للإنجليز، وأساءت قراءة خطابهم التأسيسي.

وُلدت الإجراءات البريطانية إبّان الحرب العالميّة الأولى، وفي خضم الجهود الهادفة إلى رسم شرق أوسط جديد، وإخضاع مناطق النفوذ التي غادرها الحُكم العثماني، واحتكار الامتيازات النفطيّة على ضفّتي الخليج .

عَمِل الإنجليز على عزل الجُزُر عن الجوار الإيراني والعراقي، ورياحهما السّياسيّة العاتية، وأدرجوا البحرين ضمن المَشْيَخات العربيّة المُجاورة، وعند إعلان قراراتهم، في 1923م، حرصوا على تشكيل نظام سياسي يحاكي طبيعة الحُكم في المَشْيَخات الأخرى الخاضعة لهم، فأعلنوا الحكم القبلي المُطلق في ذريّة آل خليفة، في وقت مضى المستعمرون نحو تأسيس “ملكيّات دستورية”، في المحميّات الأخرى، في الجوار العراقي والإيراني والمصري، تحوز حريّات وحكومات وبرلمانات منتخبة – لا غرْوَ – تابعة لهم، وهذا النقاش يساعدنا كذلك على فهم أحد مبررات عدم دعوة العراق إلى الانضمام إلى “مجلس التعاون الخليجي عند تأسيسه في 1981”.

وقد مثّلت البحرين، منذ 1625م، حُلماً إنجليزيّاً لمساومة إيران، بدا أنّه تحقّق عندما ربِحَ العتوبُ الجُزُر بعد تضعضع الدولة المركزية في البر الشرقي من الخليج، في النصف الأخير من القرن الثامن عشر.

لم تبدأ الإجراءات الاستعمارية في 1923م، وتفترض هذه السطورُ أنّها دُشّنت في 1903م، بزيارة فريدة قام بها إلى الجُزُر نائب الملك البريطاني والحاكم العام في الهند، اللورد جورج كرزون، زاد من بعدها التّدخل البريطاني في الشّؤون المحليّة للجُزُر، بل ودول الإقليم كافة.

وفي خطوة تهدف إلى تأكيد كونهم أصحاب السيادة وصانعي المُلوك، أصدر البريطانيّون مرسوماً يقضي بتنصيب ولي العهد، حَمَد بن عيسى آل خليفة، نائباً للحاكم، وتقليده مسؤوليّة المَشْيَخة، وابقوا على والده، عيسى بن علي، بمنصبه شيخاً للبحرين على الورق، حتّى وفاته في 1932م، وقتئذٍ اعترف الإنجليز بحَمَد حاكماً، بشكلٍ رسمي.

عنى التعيين ترسيخ حكم الأسرة الخليفيّة، وتثبيت النمط العمودي في توارث كرسي الإمارة، من الأب إلى النجل البكر من أبناء الحاكم، المبدأ الذي لم يكن سائداً، ولم يزل غير راسخ في المنطقة، باستثناء البحرين.

يرى هذا الكتاب أنّ الرّواية السّائدة، بحرينيّاً وعربياً، ركّزت أضواءً مبالغاً فيها على نزع الصّلاحيّات من الحاكم ابن علي (حكم بين 1869م- 1923م)، وعدّتها قلبَ – بل هي – الحدث، وهمّشت المرسوم الأكثر تأثيراً في مستقبل المَشْيَخة، والذي أنتج ما نسميه “نظام 1923″، وأعني به: ترقية حَمَد إلى حاكم فعلي، وبطبيعة الحال لن يكون من العلميّة والموضوعيّة تجاهل ملف العزل، أما أن يطغى على البنود الأخرى الأكثر أهميّة، فذلك ما نؤشّر عليه، ونراه مُخِلاً.

مثّل التّنصيب حدثاً رئيسياً ولحظةً فارقةً، تعكس جوهر القرار البريطاني بتمكين دولة القبيلة، أمّا إزاحة والده، ابن علي، فلا يعدو كونه أكثر من هامش على دفتر المشهد المضطرب.

إنها فرضيّة أخرى جديدة نقترحها على القارئ، بكل تواضع، نحسبُ أنّها تقود إلى فهم أعمق للإجراءات البريطانيّة، السّياسيّة منها والإداريّة، والتي يجدر وضعها، وجميع ما يسمّى القرارات “التحديثية”، في سياق تأكيد البريطانيين قبضتهم على المَشْيَخات.

تظافرت عوامل دوليّة وإقليميّة، وأخرى سياسيّة وأمنيّة محليّة المنشأ، إلى قيام الإنجليز بإلغاء الإقطاع وحظر السخرة (العمل القسري) ومنع اشكال أخرى من مظاهر الاستعباد التي كانت مفروضة على العوائل والأسر البحرينية، في الإقطاعيّات، وإعلان ما يمكن نعته تفاهماً غير مكتوب يستند إلى صيغة “الحُكم مقابل المُواطنة”، وبموجبه انتزع الإنجليز من البحارنة ما يمكن وصفه بأوّل اعتراف موثّق بحكم الأسرة الحاكمة القادمة من وراء الحدود، بالمقابل أقرَّ التحالف البريطاني – الخليفي بمواطنيّة الشّيعة، وخرجت الجماعات السّنية بمكاسب مضاعفة، فقد وعدهم الحكم المحلي وراعيه الأجنبي بـ “صوت مهيمن في إدارة البلاد”، تسمى المُواطنة من الدرجة الأولى، مقارنة بالشّيعة الذين اعتُبروا مواطنين من الدرجة الثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى