اراء

إلى ما هو أبعد من التنسيق لقطف ثمار وحدة الساحات مقابل سيناريوهات ثلاثة

حسن شقير..

لم تكن عبارة “التنسيق” التي بدأت تظهر رويداً رويداً بعد انطلاق جبهة الإسناد اللبنانية في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر من العام الماضي ، إلّا مؤشّراً على بدء تسييل وحدة الساحات على أرض الواقع، ولم تكن هذه العبارة أيضاً، والتي لطالما استخدمها المعنيون بجبهتي غزة ولبنان، طيلة فترة الحرب العدوانية المستمرة على قطاع غزة، إلّا إيذاناً وإعلاناً من هؤلاء، بأنّ درجة ووتيرة الإشغال والإسناد لجبهة غزة سيحكمها محدّد أساسيّ كان قد أورده السيد نصر الله في خطابه الأول بعد انطلاق الطوفان، والذي جاء فيه “ممنوع هزيمة حماس في غزة، لا بل يجب العمل على انتصارها أيضاً“.

ولم تكن تلك العبارة أيضاً وأيضاً، والتي أُتبِعت مؤخّراً بلفظ “السياسي”، وذلك في البيان الأخير لاجتماع جبهتي لبنان وغزة، إلّا مؤشّراً صريحاً على أنّ وحدة الساحات ستتكرّس سياسياً أيضاً في زمن التفاوض “المفصليّ”، كما تكرّست وتتكرّس ميدانياً. وبناءً عليه، فإنّ المنحى الذي ستسلكه التطوّرات ميدانياً وسياسياً على جبهتي غزة ولبنان، سيكون قيده محكوماً بالارتقاء بالتنسيق بين هاتين الساحتين، فضلاً عن باقي الساحات الأخرى، وذلك بما يضمن تكريساً لوحدتها على مختلف الأصعدة، وضماناً لها كي تقطف ثمارها المنشودة في مختلف جبهاتها.

وانطلاقاً من هذا الفهم، فإنّ السيناريوهات المنتظرة في المرحلة المقبلة على جبهتي غزة ولبنان، يمكن إجمالها في ثلاثة، لكلّ منها محدّدات وتوجّهات خاصة بها:

-السيناريو الأول: ففي حال إتمام صفقة التبادل الجاري التفاوض بشأنها حالياً في قطر ومصر، وفي حال قام المعنيون في جبهة غزة على إثر ذلك، بالإعلان صراحة أنّ الاتفاق قد أنهى العدوان على قطاع غزة، وأنّ الحرب قد وضعت أوزارها فعلاً، فإنه واستناداً إلى ما ورد أعلاه حول نهج تطوّرات التنسيق التي ذكرناها، فإنّ المرتقب من جبهة الإسناد اللبنانية – ولضمان استمرار وجود ورقة ضغط قوية على نتنياهو لإلزامه بتطبيق مراحل الصفقة كافة – بأن تعلن أنها ستكون مستعدّة لمناقشة أيّ طرح مراعٍ لمبدأ حفظ السيادة اللبنانية على القرار والجغرافيا معاً.

ولكنه سيكون إعلاناً مرفقاً بأنه، وفي حال نكث الكيان الإسرائيلي بتعهّداته، وقرّر العودة إلى استكمال العدوان على القطاع، فإنّ جبهة الإسناد اللبنانية ساعتئذٍ ستعدّ أيّة ترتيبات خاصة بها (سواء كانت منجزة أو هي في طور التحقّق)، كأنها بحكم الملغاة، وذلك تجسيداً لوحدة الساحات على الصعيد السياسي، كما تكرّست ميدانياً، وهذا التوجّه الافتراضي لدى هذه الجبهة تحديداً، سيكون كفيلاً -باعتقادي- بمنع تحقيق حلم أميركا والكيان بالاستفراد بغزّة لاحقاً.

-السيناريو الثاني: يرتكز هذا السيناريو على فرضيّة عدم إتمام الصفقة، وانتقال العدوان بعدها في مقبل الأيام والأسابيع إلى ما يسمّى بالمرحلة الثالثة، فإنّ مقتضيات التنسيق التي تخدم المحدّدات الاستراتيجية التي أرساها خطاب السيد نصر الله الأول بعد بدء العدوان على القطاع، تحتّم على جبهة غزة، بأن تضع تقديراً للموقف الميداني، يكون مبنياً ضمن إطار العمل على مراعاة تلك المحدّدات، ولا سيما منها ما يتعلّق بالعمل “على انتصار حماس في غزة“.

وبناءً عليه، فإذا ما كانت التوصيات في فحوى هذا التقدير، مُفادها بأن جبهة غزة كانت وما زالت بحاجة في هذه المرحلة المشار إليها، إلى استمرار الإسناد من الجبهة اللبنانية وباقي الجبهات الأخرى معها، فإنّ هذا الإسناد سيستمرّ ساعتئذٍ، وبلا نقاش.

-السيناريو الثالث: أما في حال عدم إتمام الصفقة وتنصّل نتنياهو منها، وكان العدوان على قطاع غزة قد انتقل فعلاً إلى ما يُسمّى بالمرحلة الثالثة، وكان الواقع الميداني في حينه يستند إلى تقدير موقف لجبهة غزة، مفاده بأنّ الإسناد من جبهة لبنان لا يحتاجه القطاع خلال هذه المرحلة من عمر العدوان، فإن التوجّه المفترض للجبهة اللبنانية في حينه، سيكون ميّالاً نحو الهدوء (وذلك في حال أوقف العدو اعتداءاته عليها طبعاً)، ولكنه -باعتقادي- سيكون مقترناً باستمرار برفض هذه الجبهة مناقشة أيّة ترتيبات بشأنها.

والسبب في ذلك يعود إلى عدم تحقّق ما تصبو إليه من وقف العدوان على قطاع غزة رسمياً، وبالتالي فإنه واستناداً إلى الأهداف الموضوعة لجبهة المساندة هذه، والتزاماً منها بخدمة أهداف التنسيق المشار إليها، فإنّ المقترح المقبول مناقشته في حينه، يكمن في إمكانية العودة بالأوضاع على خط الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة إلى ما كانت عليه في السادس من أكتوبر من العام 2023 فقط، وبغض النظر عن موافقة الاحتلال على هذا الأمر من عدمها.

خلاصة القول، وبغضّ النظر عن أيّ من هذه السيناريوهات الثلاثة سيكون محقّقاً على أرض الميدان، فإنه من الثابت القول بأن دول وأطراف محور الممانعة قد اتخذت قراراً في العام 2024 بعد أن أنجزت التراكم الاستراتيجي في معظم ساحاتها، ولا سيما في قطاع غزة، والتي أطلقت منه حركة حماس في أيار عام 2021 عملية “سيف القدس”، وذلك بتسييل واضح منها لهذا التراكم، والتي هدفت من خلاله إلى بلوغ “وحدة الساحات” على جغرافيا فلسطين أولاً، ومن ثمّ ليكتمل مشهد الوحدة هذا على امتداد جغرافيا ساحات المحور بأكملها، وذلك بعد انطلاق معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر من العام 2023.

فإنه -واستناداً إلى هذه المشهدية- فإنّ القرار الذي اتخذته هذه الدول والأطراف يتمثّل بضرورة الارتقاء درجةً في هذا المسار، بحيث ستظهر معالمه أكثر فأكثر مع اقتراب ولوج العدوان على قطاع غزة أحد هذه السيناريوهات المذكورة، بحيث ستكون سمة المرحلة في حينه “ما هو أبعد من التنسيق بين الجبهات والساحات”، إلى ما يمكن القول بأنها ستكون مرحلة “البناء على الشيء مقتضاه”، وذلك لتكريس وحدة الساحات وقطف ثمارها على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى