الشعائر الحسينية.. مدرسة التقوى

محمد علي جواد تقي..
استثمر الأرض لتعطيني الثمار، أو استثمر المال لأحصل على الأرباح، فهل هذا يصدق على إقامة المجالس الحسينية (المنبر واللطم) أو إعداد الطعام للمعزين والزائرين، أو أي نشاط آخر نسعى لأن نربطه بنهضة الإمام الحسين “عليه السلام” وواقعة عاشوراء.
بأي شكل كانت تقام الشعائر الحسينية في الأزمان الماضية على يد من وصفهم أحد كبار مراجع الدين الكرام بـ”السلف الصالح”؟ بل كيف كانوا ينظرون الى هذه الشعائر، والى قضية الإمام الحسين بشكل عام؟.
كانوا ينظرون اليه كشعاع ينير لهم جميع نواحي حياتهم طوال أيام السنة، وليس خلال أيام معدودة فقط، فكانت حياتهم وثقافتهم حسينية، فيها الصدق، والوفاء، والايثار، والانسانية، ومثل تلميذ صغير في مدرسة كبيرة يدخلوها بكل وقار واحترام، ويحتفظون بالحب والتقدير لهذه المدرسة وللمعلم طوال حياتهم، لما تفضّلت بها عليهم من تربية وتعليم، ولن يتخلّوا يوماً عن هذا الشعور، وإلا يكونوا في وسطهم الاجتماعي ناكرين للجميل.
نعم؛ ربما يستثمر الانسان جهده الشخصي مما اكتسبه من علم ومعرفة ليستفيد منه لحياته، ثم ليفيد الآخرين في عملية تبادل مشترك للمنفعة، لا يختلف عليه اثنان.
اتخيل الجموع المليونية المحتشدة حول مرقد الإمام الحسين كما لو أني في الكعبة المشرفة وهي تغصّ بالطائفين والملبين لنداء التوحيد والانقطاع الى الله وحده وعدم الشرك به في جميع نواحي الحياة، وقد تحولوا الى قطعة بشرية واحدة لا تمييز بين غني وفقير، وعالم وجاهل، ورئيس ومرؤوس، خلال أيام معدودة من أعمال الحج، الهمّ الوحيد للجميع أداء المناسك على وفق الأحكام الشرعية، وعدم ارتكاب مخالفة تلزم صاحبها كفارة غير يسيرة، أو ربما يخسر رحلة الحج بأكملها.
في مدرسة الإمام الحسين يسعى الناجحون لتعلّم مبادئ التضحية، من أجل القيم العليا بالمال والجهد العضلي والذهني، وايضاً؛ تعلم مبادئ الأخلاق والآداب، والقيم الانسانية، وفي مقدمتها؛ الحرية والمساواة لتشكيل ثقافة جماعية لأهل البلد ممن يستذكرون قضية الإمام في عاشوراء من خلال مصيبته الأليمة، وأيضاً؛ ثقافة فردية لكل مؤمن حسيني يعيش في أي مكان بالعالم، فيكون نموذجاً للالتزام بالقيم الأخلاقية والانسانية في عالم يعجّ اليوم بحالات الكآبة والانتحار والخيانة والعنف والتمزق الأسري.
أما إذا قلبنا الصورة، وجعلنا المصاب بأمراض نفسية مثل الكِبر، والغرور، والحسد، الاحتقار هو محور الحركة هذه الأيام، وأنه يجسد القضية الحسينية برمتها، فإنه سيرتكب خطأين قاتلين؛ الأول: بحق نفسه عندما يكشف التناقض بنفسه بين وضعه المعروف بين الناس، والنماذج المعروفة في واقعة الطف، ولسان حال الناس: “أين الثريا من الثرى…”؟! وبحق الآخرين عندما يسنّ سنّة غير حسنة – ربما دون ارادة منه – باستسهال التناقض بين الواقع السيئ الذي يعيشه البعض، والنهضة الحسينية التي حاربت هذا الواقع بهدف الإصلاح في الأمة.
فعندما نقرأ ما توصّل اليه العلماء والباحثون بشأن النهضة الحسينية بأنها امتداد حقيقي لحركة الأنبياء والمرسلين، وأنها حركة متصلة بالإرادة الإلهية، وكل صغيرة وكبيرة وقعت في واقعة الطف، ومن بعدها في مسيرة السبايا، وراؤها حكمة إلهية بالغة، نفهم أن كل ما يتعلق بعاشوراء وبالشعائر الحسينية، يمثل نجماً ساطعاً في السماء البعيدة، لا يبلغه إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن امتحن الله قلبه للتقوى، وما نقوم به نحن يمثل محاولات على سبيل التقرّب ومعالجة ما نشكوه من حالات فردية واجتماعية غير سليمة، من خلال ما نسمعه من خطباء المنبر الحسيني – حفظهم الله – والمشاركة في مراسيم العزاء والزيارة، وحتى الاستعبار والبكاء طيلة أيام الذكرى المؤلمة، وأي عمل دون هذا يمثل نقشاً على الماء، وعبثاً يقتل الوقت ليس إلا، بينما نلاحظ العكس تماماً عندما يخلّد التاريخ أسماء شعراء، وخطباء، ورواديد، ومقيمي مجالس العزاء، وإن كان في بيت متواضع، ومن أقام الشعائر الحسينية المتنوعة بنفس جهادي يتطابق مع النفس الجهادي لأصحاب الإمام الحسين يوم عاشوراء الذين تخلو عن كل شيء، لتبقى قيم الدين حيّة نابضة حتى تقوم الساعة.



