اراء

بوتين يقلب الأوراق في آسيا بلعبة الكبار

بقلم: الدكتور وائل عواد..

في خطوة لافتة، سارعت الولايات المتحدة بإرسال مبعوثها دانييل كريتنبرينك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ، إلى فيتنام عقب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتوقيع اتفاقيات شراكة بين البلدين.

هذه الزيارة أثارت استياء الإدارة الأمريكية، وذلك لأسباب عدة: أولاً، استقبال الرئيس بوتين يعد كسرًا للعزلة التي يحاول الغرب فرضها على روسيا. ثانيًا، هذه الشراكة والاتفاقيات تعزز من نفوذ روسيا في فيتنام، التي تعتبر مركزًا حيويًا بسبب موقعها الجيوسياسي ونموها الاقتصادي المتسارع، مما يجعلها هدفًا مهمًا للشركات الأمريكية. وأدلى المبعوث الأمريكي الخاص بتصريحات أكد فيها، أن الثقة بين الولايات المتحدة وفيتنام عالية جدا، وارتقت علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خاصة وأن الدول الغربية تسعى لتنويع سلاسل التوريد الخاصة بعد زيادة حدة التوتر مع الصين وقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 111 مليار دولار أمريكي مقابل 3.6 مليار دولار بين فيتنام وروسيا ومع ذلك تعتمد فيتنام على الشركات الروسية في التنقيب على النفط وتوريد السلاح وتوفير المنح الدراسية لعشرات الآلاف من الفيتناميين.

جاءت زيارة الرئيس بوتين إلى هانوي بعد زيارة تاريخية إلى بيونغ يانغ، في ظل الفوضى العالمية واحتدام الحروب والأزمات والتهديدات النووية التي تبدو أقرب إلى الواقع منها إلى الحلول السياسية للأزمات المفتعلة. تلك الزيارة أثارت ردود فعل إقليمية وعالمية واسعة، خصوصًا بعد التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي تعهد فيها بوتين بدعم بيونغ يانغ عسكريًا في حال تعرضت لأي اعتداء، مؤكداً لجارتها سيؤول، أن الاتفاقية ليست موجهة ضدها، هذا الموقف دفع بكوريا الجنوبية إلى إعادة النظر في توريد الأسلحة إلى أوكرانيا.

تكتسب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى فيتنام، أهمية بالغة، خاصة في ظل الدور الحيوي الذي يمكن أن تُلعبه فيتنام، الدولة التي تُمارس ما يُعرف بـ”دبلوماسية الخيزران المرنة”. وتعتبر فيتنام من مراكز الأهمية الجيوسياسية في جنوب شرق آسيا، نظرًا لموقعها الاستراتيجي والنمو الاقتصادي المتسارع الذي يمنحها مكانة متميزة بين الدول الناشئة في المنطقة.

تأتي هذه الزيارة في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، حيث تشهد المناطق البحرية مثل بحر الصين الجنوبي مناوشات بحرية متزايدة، خاصة تلك التي تُحرِّضها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، ويُنظر إلى هذه التحركات على أنها محاولة للاصطياد في المياه العكرة في المنطقة، مما يزيد من التوترات ويعقِّد الوضع الأمني الإقليمي.

إن هذه الزيارة تأتي في وقت حساس يتطلب فيه التفاهم والتعاون لتجنب تصاعد النزاعات وضمان الأمن والاستقرار في آسيا وعلى المستوى العالمي بشكل عام، مما يجعلها لحظة دبلوماسية بارزة تستحق المتابعة الدقيقة والتحليل العميق.

ولعبت الحرب الروسية الأوكرانية دورا مهما في تغيير بوصلة السياسة الروسية تُجاه آسيا وبدأت تعزز علاقاتها مع عملاقي آسيا الهند والصين بشكل خاص وحلفائها الآسيويين التقليدين بشكل عام .

بوتين في آسيا بعقيدة نووية جديدة

تاريخيًا، لم تشهد العلاقات الروسية مع دول جنوب شرق آسيا، تفاعلًا ملحوظًا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث حافظت روسيا على النمط الكلاسيكي في علاقاتها خلال فترة حكم الرئيس بوريس يلسين، باستثناء العلاقات مع اليابان، لم تشارك روسيا في النهوض الاقتصادي الذي شهدته دول جنوب شرق آسيا، وابتعدت عن المشاركة في النزاعات الإقليمية.

مع التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة، وصعود النمور الآسيوية للتنافس الاقتصادي والتجاري على المستوى العالمي، ومع صعود دول مثل الهند والصين، تزايدت التقلبات السريعة في التحالفات العسكرية والسياسية في المنطقة. هذا ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يواجه عزلة غربية، إلى إعادة التوازن الروسي وبناء أسس قوية للعلاقات التقليدية مع دول آسيا كجزء من استراتيجية لتعزيز نفوذ روسيا.

لروسيا، تُعتبر دول جنوب شرق آسيا الامتداد الطبيعي، وجدت فيها فرصة للابتعاد عن الغرب والبحث عن أسواق جديدة، بالإضافة إلى الحفاظ على الروابط التاريخية العميقة مع تلك الدول. هذه الخطوة تعزز من تأثير روسيا وتحد من النفوذ الغربي في المنطقة، خاصة بعد التوسع العسكري الأمريكي في المحيطين الهندي والهادئ.

بوتين يبني على هذه الأسس لإعادة ترتيب البطاقات في آسيا، ويعتبر ذلك جزءًا من عقيدته الجديدة في التعامل مع المنطقة، حيث يسعى لإرساء استراتيجية تتسم بالقوة والتفاهم، بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي والدفاع عن مصالح روسيا في الساحة الدولية بشكل عام.

هذه الفترة تتطلب من الدول الكبرى والمؤثرة، أن تتخذ خطوات حاسمة نحو الاستقرار العالمي وتجنب سيناريوهات الصراعات الدائرة، حيث يجب أن تلعب روسيا والصين والهند، دورًا بناءً في هذه العمليات، وإعادة ترتيب الأولويات ليس فقط لتجنب اختلاق الحروب، بل لإيجاد حلول جذرية ومستدامة تعزز من فرص السلام والاستقرار العالميين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى