قبرص.. من دعم فلسطين وعدم الانحياز إلى الحضن الإسرائيلي -الأمريكي

بقلم: هدى رزق..
تقع قبرص عند تقاطع أوراسيا مع أفريقيا على الممر البحري الذي يربط البحر الأبيض المتوسط عبر بوابتين بحريتين هما قناة السويس وباب المندب، بالمحيط الهندي.
ومن هناك، ترتبط ببوابتين بحريتين أخريين وهما مضيق هرمز، المؤدي إلى الخليج، ومضيق مَلَقة، المتصل بالمحيط الهادئ. الموقع الاستراتيجي المهم للجزيرة دفع البريطانيين عام 1945 إلى الحفاظ على وجودهم في شرق البحر المتوسط، ومع إعلان استقلال قبرص في آب 1960 احتفظت المملكة المتحدة فعلياً بمنطقتين ذواتَي سيادة (أكروتيري وديكيليا)، وأصبحت مرافقها العسكرية الأماكن الوحيدة التي يتم فيها ضمان أي وجود عسكري بموجب معاهدة متعددة الأطراف.
وثّقت قبرص علاقتها بمصر عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي، ودعمت القضية الفلسطينية وقضايا العرب، لكنها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت تقترب من “إسرائيل“.
إعادة توجيه المصالح الاستراتيجية خلقت فرصاً وتحديات أمام نيقوسيا، ونمت في السنوات الأخيرة الأهمية الإقليمية للجزيرة بشكل كبير. أصبحت قبرص في عداد دول الاتحاد الأوروبي عام 2004 وهي تقترب حالياً من الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً ــوخاصة منذ بداية الحرب في أوكرانياــ وهو التطور الذي يسبب القلق لكل من روسيا وتركيا.
قبرص عضو مؤسس في حركة عدم الانحياز وصديقة للفلسطينيين
وقّعت اليونان وتركيا اتفاقيتَي زيورخ ولندن في شباط 1959، واللتين حدّدتا شروط نهاية الحكم البريطاني والمستقبل السياسي لقبرص مع تحوّل القوى الخارجية الثلاث إلى قوى ضامنة للجمهورية القبرصية الوليدة. لقد منعت تسوية الاستقلال والضمانات عام 1960 الاتحاد مع اليونان وتقسيم الجزيرة بين اليونان وتركيا اللتين تنافستا بطريقة ما على السلطة والنفوذ.
ثمّن رئيس جمهوريتها الأسقف مكاريوس دعم مصر لقبرص خلال النضال من أجل الاستقلال، وطوّر علاقات وثيقة بالدول العربية. انتهج مكاريوس سياسة عدم الانحياز (رابطة الدول المعارضة للحرب الباردة، سعت إلى خلق قوة ثالثة بين الكتلة الشيوعية والكتلة الغربية) وأصبح عضواً مؤسساً في حركة عدم الانحياز، وحضر عام 1961مؤتمر حركة عدم الانحياز في بلغراد إلى جانب جوزيف تيتو، رئيس يوغوسلافيا السابقة والرئيس المصري جمال عبد الناصر.
منذ البداية، تبنّت حركة عدم الانحياز قضايا غير مرتبطة نظرياً بالحرب الباردة، بما في ذلك مناهضة الاستعمار، ومناهضة العنصرية، والتنمية الاقتصادية، ومناهضة الصهيونية في عام 1961، صوّتت قبرص ضد “إسرائيل” بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين. وسرعان ما بدأ الرئيسان مكاريوس وعبد الناصر بإقامة علاقة متنامية شكلت مصدر قلق للولايات المتحدة وتركيا و “إسرائيل”. دعمت قبرص منظمة التحرير الفلسطينية واستقبلت ممثليها على أراضيها، ووقف ممثلها في الأمم المتحدة زينون روسيدس مع منح اللاجئين الفلسطينيين “حق العودة“.
بعد غزو تركيا الجزيرة عام 1974، راهنت قبرص على العلاقة مع العرب للوقوف إلى جانبها، ومع عقد اتفاقية “كامب دايفيد” 1979 بين مصر السادات و “إسرائيل” لم تغيّر مواقفها، واعترفت رسمياً بدولة فلسطين 1993 بعد اتفاقية أوسلو، فتحت السلطة الفلسطينية سفارة في نيقوسيا بعد 1993 وبقيت في عضوية دول عدم الانحياز إلى حين دخولها الى الاتحاد الأوروبي 2004.
الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والغاز وتأثير المصالح على قبرص
على الرغم من إقامة “تل أبيب” علاقات دبلوماسية مع نيقوسيا في عام 1960، لم تفتتح الأخيرة سفارة في “إسرائيل” حتى عام 1993 وقامت الحكومة بتعيين سفير لها في “تل أبيب“.
بالنسبة إلى الإسرائيليين، لا يمكن تجاهل أهمية قبرص باعتبارها أقرب دولة غير عربية إلى “أراضيها”، وكانت تسعى منذ 1948 لتخفيف عزلتها، فنسجت علاقة مع تركيا في ذلك الوقت ومع إيران الشاه. بعد نهاية الحرب الباردة، في مطلع التسعينيات، تطوّرت العلاقات بين حكومتَي قبرص و “إسرائيل” في الوقت الذي ما زالت العلاقة مع تركيا بعد تقسيم قبرص إشكالية بالنسبة إليها، ومع بداية تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية بدءاً من 2010، رأت قبرص أن فرصة التعاون تخدم مصالحها الاستراتيجية، لا سيما مع اتباعها سياسات الاتحاد الأوروبي وبناء شراكات مع الكيان الإسرائيلي.
منعت السلطات القبرصية في أيار 2010، الناشطين المؤيدين لفلسطين من استخدام موانئ الجزيرة للانضمام إلى أسطول الحرية المبحر إلى غزة. في عام 2011، سافر رئيسها إلى القدس معتبراً أن “إسرائيل أهم الشركاء الاستراتيجيين“.
خلق اكتشاف الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط مصالح مشتركة. فقد اكتشف الإسرائيليون حقلَي “تمار” و”ليفياثان” في عامَي 2009 و2010، وقبلهما حقل “لامار”. عام 2000 اكتشفت قبرص حقل “أفروديت” واتفق الطرفان على ترسيم حدودهما الاقتصادية الخالصة.
وفي عام 2012، قام بنيامين نتنياهو بزيارة قبرص كأول رئيس وزراء إسرائيلي، وتم إعلان إمكانية إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من خزانات شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا عبر اليونان وإيطاليا، وهو خط شرق المتوسط. عُقد الاجتماع الثلاثي الأول في نيقوسيا، في كانون الثاني 2016، شارك فيه رئيسا وزراء “إسرائيل” واليونان، نتنياهو وألكسيس تسيبراس، بالإضافة إلى الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس. ومنذ ذلك الحين، تم تنظيم سبع قمم ثلاثية أخرى. وكان آخرها في القدس في كانون الأول 2021 حيث مثّل الحكومة الإسرائيلية رئيس الوزراء آنذاك نفتالي بينيت. وفي غضون ذلك، تم عقد اجتماعات ثلاثية لوزراء الخارجية والدفاع بشكل متكرر.
لكن، خاب أمل اليونان وقبرص في الفترة الأخيرة بعد أن تراجعت واشنطن عن دعم مشروع خط أنابيب بحري كان يمكن أن يربطهما بحقول الغاز الإسرائيلية، بعد أن عُدّ المشروع المقترح مكلفاً للغاية وصعباً من الناحية التكنولوجية. فيما ارتفعت أرقام التجارة بين “إسرائيل” وقبرص وكذلك السياحة. كثفت نيقوسيا جهودها لمكافحة معاداة السامية. بعد أن كانت في عام 2019، قد اعتمدت تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة.
العلاقة مع “إسرائيل” وواشنطن تأخذ منحى استراتيجياً
تطورت العلاقات العسكرية مطلع حزيران 2017، حيث تم إجراء عدد من التدريبات العسكرية. اختار لواء الكوماندوز المشكّل حديثاً التابع لقوات الدفاع الإسرائيلية قبرص لإجراء أول مناورة أجنبية له، في مناطق جبلية تشبه تلك الموجودة على طول الحدود الشمالية لـ”إسرائيل” وبعد بضعة أشهر، تدرب الجنود الإسرائيليون والقبارصة معاً على حرب المدن والتخطيط التكتيكي في قاعدة تدريب “تسيليم” في جنوب فلسطين المحتلة، كما تدرّبت القوات الإسرائيلية في قبرص بمناورة تهدف إلى محاكاة الحرب ضد حزب الله في عام 2022. ذهب الجانبان إلى أبعد من ذلك، ووقّعا اتفاقيات تصدير دفاعية ستزود الجيش القبرصي بأنظمة حمل وقائية وتكتيكية طورتها شركة Source Defense ونظام حمل تكتيكي للجنود القبارصة، ويمكن أن تزود “إسرائيل” بحقوق الهبوط على مدارجها.
رحّبت نيقوسيا باتفاقيات إبراهام لعام 2020 وأعربت عن استعدادها للمشاركة في مشاريع مشتركة مع أطراف الاتفاقيات. وفي عام 2021، استضافت الحكومة القبرصية اجتماعاً رباعياً لوزراء خارجية قبرص واليونان و”إسرائيل” والإمارات العربية المتحدة في مدينة بافوس. وفي سياق مماثل، وحّدت حكومتا قبرص و”إسرائيل” قواهما في الرد معاً على التهديدات الإرهابية. وفي قضية لافتة للنظر، اتهمت الحكومة الإسرائيلية إيران في عام 2021 بالتخطيط لمهاجمة إسرائيليين في الجزيرة.
بالنسبة إلى قبرص، يتم اختبار العلاقات الأميركية-التركية وهو ميزان العلاقة مع واشنطن، ويواجه رئيسها الجديد المعادلة الجيوسياسية الأكثر أهمية منذ الغزو التركي عام 1974.
ولا تخفي تركيا، طموحاتها الخاصة في البحر الأبيض المتوسط، وتدفع من أجل حل الدولتين أي شمال قبرص حيث القبارصة الأتراك وبناء قواعد الطائرات من دون طيار، وأشار تقرير تركيا إلى أن عشرات الآلاف من اليهود اشتروا ما يُقدر بـ 25 ألف فدان من الأراضي، وعدداً كبيراً من الوحدات السكنية في قبرص التركية، بأسعار باهظة. في حين تظهر الإحصاءات الرسمية، احتلال الإسرائيليين المرتبة الـ12 بين الأجانب الأكثر شراءً للأراضي في جمهورية شمال قبرص!



