“تأبين كائن خالد”.. رواية عن العيش تحت مظلة الحياة الصعبة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد الكاتب والشاعر ياس السعيدي واحدا من الكتاب الذين أبدوا مهارة عالية في إجادة الاجناس الادبية ومنها الرواية وكانت روايته “تأبين كائن خالد” الصادرة عن دار الشؤون الثقافية مؤشرا على تحول كبير في حياته الادبية .
وقال السعيدي في تصريح خص به ” المراقب العراقي”: ان “رواية “تأبين كائن خالد” تختلف عن كل ما كتبته سابقا اذ ان موضوعها يتمحور حول فكرة الخلود التي ينشدها الجميع دون أن يفكر باستحالة تحمّل الحياة بشكل دائم وهذا الموضوع دائم الحضور في التفكير الانساني منذ ايام كلكامش الى يومنا هذا وقد يستمر الى ما لانهاية والسبب هو الرغبة في الحياة والخوف من الموت”.
واضاف: إن “هذه الرواية التي كتبتها في ظروف حياتية صعبة تتحدث عن محنة الذي لا يموت، كم يتوجب عليه أن يرى، وكم من الذكريات التي ستحفر روحه من ذلك الذي رآه؟ لذلك سيكون على الذي يقرأها مراجعة الكثير من القناعات التي في داخله حيث تتركز حواراتها وسردها المتقطع على وجع الكائن الخالد ونحن لا نشعر بمحنته تلك، بل ربما لا نقيم له وزناً ولا ندري بكل ما رأى وحفظ من أوجاع في العيش تحت مظلة الحياة الصعبة” .
وتابع ان “هناك الكثير من النقاد الذين قرأوا الرواية واشادوا بها واكدوا ضرورة إعادة النظر بفكرة الموت وأهميته في لحظة ما التي تؤكد عليها الرواية التي تتحدث عن أوجاعنا التي يحفظها غيرنا أكثر منا لأنها بالنسبة لنا قد تنتهي مع نهايتنا لكنها تظل محفورة في روحه هو الذي لا ينتهي لكونه أراد الخلود وعلى الرغم من عدم واقعية الرواية الا انها واقعية في الشعور الانساني الذي لا يتحمل التكرار الممل وهنا يتضح الموضوع الرئيس للرواية وهو ان الموت ليس سيئا بل يكون ضرورة في بعض الاحيان” .
يُذكر أن ياس السعيدي يعد اليوم أحد ألمع الكتاب والشعراء العرب، إذ حصد في آخر عقد من الزمن حوالي عشرين جائزة على مستوى الشعر والرواية كجائزة الطيب الصالح السودانية عن روايته “معجم الأوجاع”، وجائزة الشارقة للإبداع العربي، فئة المسرح عن مسرحية “المسرحية”، وميدالية الرئيس الإيطالي من جائزة كاستيو دي دوينو العالمية.
من جهته كتب عنها الناقد إبراهيم رسول قراءة نقدية قال فيها: ان “هذه الرّواية التي تصنف على أنّها حمّالة أوجهٍ كثيرة كونها اشتغلت على تقديم أكثر من خطاب في الوقت ذاته, لذا هي تنفتح على أبواب تأويلية كثيرة , يستطيع أنْ يحللها المتلقي ويأخذ من تحليله العديد من أوجه الوجع الإنساني الذي عاشه الفرد العراقي في حقبة تأريخية معلومةٍ .
لمْ تكنْ قصّة واحدة, بلْ لكلّ شخصيّة قِصّتها التي تُعبر عنها, تناوب الأصوات هو تناوبٌ قصصيٌ, الذكاءُ المميزُ عند المبدع جعل من كلّ قصّة تعبر عن ألمٍ إنسانيٍ عاشهُ الكثير من العراقيين في مرّحلةٍ صعبةٍ وقاتمة , التناوبُ هو الذي أعطى الزخم والتدفق الحكائي في هذه الرّواية الصغيرة بالقياس إلى الثيمات الكثيرة ضمنتها, لمْ نجدْ الترهّل الممل الذي يصيب العديد بل الغالبية العظمى من الرّوايات, لكن, في هذه الرّواية لا تجد إلا النافع الذي يُقدم للسردية التطوّر والتقدم, تستطيع أن تقرأ الرّواية في جلسةٍ واحدةٍ , لأنَّ عنصرَ التشويق يُسايرك من اللحظةِ الأولى حتّى تنتهي الرّواية, وأنت تقرأ قصة شخصية وتتفاعل معها لتدخل في قصة أخرى لتجد أنّك متفاعلٌ معها أكثر وأكثر, النزوع الفلسفيُ لمْ تخلُ منه رّواية, كون الفلسفة تُضيف لأدبية الأدب الشيء الكثير وتعطيه صفة التأمل العقلي الذي لا يكتفي بالمتعةِ فحسب, إنّها متعةٌ ممزوجة بالتدبر والتأمل الكبيرين, فلسفةُ المبدع في خطابهِ الرّوائي هذا.
في هذه الكلمة نجد شخصية المؤلف أكثر من شخصية الأم التي عبرت بلسانها هي عبر خطابٍ تبدو فيه أدلجة فلسفية واضحة, وهذه الفلسفة بعدية عن الأم البائسة التي تعيش في ظروفٍ قاسيةٍ, إلا أنّ تضمين المبدع لسان المرأة هذه اللغة وهذا الخطاب كان موفقًا كونه يتفق والسياق العام للحالة التي وصلت إليها قراءة الموقف.
رواية ناقدةٌ للفكر الذي يُسطّح الأشياء ولا يتعمق في باطنها, رواية كاسرةٌ للنمطية التي نقرأها في الكثير من الرّوايات العراقية التي تعالج ذات الموضوع, فكرة الرّواية ليست غريبة عن ذاكرة العراقي الذي يعرف الكثير وربما الأكثر , لكن المعالجة كانت ممتازةً من حيث البناء الأسلوبي الذي عُولجت فيه, هي رّواية أعطت للسردية العراقية إضافة جيّدة.




