اراء

شتان بين الموتتين

عبد الحافظ البغدادي..
يبدو أن التشفي بالموت، تلك العادة السيئة جاءت إلينا من رحم التاريخ الأموي.. ولذلك تعمّد أهل البيت “عليهم السلام” أن يخفوا قبور شهدائهم، خوفاً من التمثيل بالأجساد.. ومازال قبر الزهراء “عليها السلام” مخفياً الى يومنا هذا.
حالة الموت واحدة ولكن طرقها متعددة.. ومن تلك الطرق من يحمل صفة موت العار والذل.. وبين من يموت وشفتاه تردد (فزت ورب الكعبة) هناك فرق بين موتة رجل يقف أمام ثلاثين ألفاً وهو وحيد في الميدان، ولسانه يلهج لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل.. ويقرع اسماعهم بموقف في قمة الشرف.. الموت أولى من ركوب العار.. هو نفس الموت ولكن الإنسانية تضفي ثوب الشرف على من تطلق أمريكا وإسرائيل وأذنابهم عليهم، حمماً من الطائرات لتتخلص من جهادهم ومواقفهم، وبين شخص نفخت به الأبواق، ليصبح قائداً للأمة العربية.. وأخيراً أخرجه الأمريكان من حفرة قذرة تليق له ولأمثاله.
يبدو أن الموت المعنوي أكثر تأثيراً في التاريخ، لانه يطوي الأحياء الذين لا يمكن قياسهم بالرجال، ووجودهم وعدمه سواء. فهم موتى وأرواحهم في أبدانهم.. نعرف موتهم حين نسمع عوي الكلاب وهي ترقص لموت رجال سقطت بهم طائرة.. نعلم لحد اليقين أن الذي مات كان أسداً ففرحت بموته الكلاب والدواب..
وخير من عبّر عن المواقف بيت لشاعر يقول: (وكل إناء بالذي فيه ينضح) فعلا الأواني هي التي سكبت المواقف، موقف هنا بشرف، وهنا بذل وعار، لمن ينزع لباسه ويظهر سوءته لينجو بنفسه.. وبين من يترك شعبه ويهرب نحو الحفر أو يرتدي عباءة نسائية.. وبين من يتلقى الرصاص بصدره ونحره على السواتر، وهو يدافع عن وطنه وشعبه.. نقول بأعلى صوتنا.. لمن يشمت.. لا نبالي إذا وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا، لأننا نحن من نختار الموت الذي نريد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى