اراء

ماذا عن طلاب الجامعات في الدول العربيّة؟

بقلم: رشاد أبو شاور..

وأنا أتابع ما يحدث في أعرق الجامعات الأميركية، والبريطانية، والفرنسية، وطلاّبها وطالباتها وهم يعتصمون في جامعاتهم، ويرفعون شعاراتهم المنحازة إلى فلسطين: فلسطين حُرّة.. حُرّة، ويطالبون بإيقاف الحرب على قطاع غزّة، ويعلنون رفض دعم “إسرائيل” بالمال والسلاح، وآخر دعم مالي للكيان الصهيوني يبلغ 26 بليون دولار، ناهيك عن صفقات السلاح!

أوجعتني أسئلة دقّت في رأسي بقسوة: أين طلاب جامعات الدول العربيّة وطالباتها، وماذا تعني لهم فلسطين؟

ألا يتساءلون، وهم يتابعون أخبار الجامعات العريقة في الغرب، وطلبتها وطالباتها، في أغلبيتهم، ينتمون إلى أسر عريقة، ولديهم المقدرة المالية على الدراسة فيها والتخرّج منها، وهم مرشحون بعد التخرّج لشغل مناصب رفيعة في دول بلادهم، حتى منصب الرئيس، لكنهم مع ذلك يقيمون المخيمات في أفنية الجامعات ويعتصمون فيها، ويواجهون قمع البوليس والاعتقال ولا يتراجعون، وسلطات القمع في جامعة كولومبيا العريقة تغلق الحمامات من أجل دفعهم إلى الخروج من المخيمات، والتوقف عن الاعتصامات، لكن هذه الإجراءات غير الديمقراطية، وحملات التشويه التي تبلغ حدّ اتهامهم بأنهم “لاساميون” ومدفوعون من مخربين، وهي تهم يمارسها الكيان الصهيوني وهو يقصف مدن قطاع غزّة وقراه ومخيماته، مبرِّراً مجازره التي تُنفّذ بالأسلحة الأميركية التي لا يتوقف تدفقها بحجة “الدفاع عن النفس“!

تصوروا: في تلك الاعتصامات، والتظاهرات، عشرات الطلبة والطالبات اليهود الرافضين جرائم “جيش” الكيان الصهيوني، لأنهم يشعرون بأن هذه الوحشية البشعة واللاإنسانية تُلحق الخسارة بكل يهود العالم، الذين ما عادوا يقدرون على تحمّل نتنياهو والمتدينين المتحالفين معه.

ما يحدث في الغرب تحقق بالدم والتضحية والبطولة التي تفجّرت يوم الـ7 من تشرين الأوّل، مُنهيةً زمن التواكل والتخاذل والركون العاجز لشفقة أميركا الوسيط غير النزيه، أو وسطاء الخداع، كما وصفهم في كتابه عن مفاوضات واشنطن، البروفسور رشيد الخالدي.

إرادتنا، كشعب فلسطيني، هويتنا العربية الفلسطينية، تراثنا المقاوم منذ أن احتلت بريطانيا فلسطين، وسمّت احتلالها انتداباً، متسلحة بوعد بلفور، وعيّنت أول حاكم على فلسطين يهودياً صهيونياً، هو هربرت صاموئيل، على امتداد خمسة أعوام امتدت من عام 1920 حتى آخر عام 1925، فعاث فساداً وتخريباً في الزراعة والاقتصاد برعاية السلطات البريطانية المحتلة لفلسطين.

من هناك، بدأت مقاومة عرب فلسطين، ومعهم عرب أحرار تدفقوا للقتال معهم لإنقاذ أرض فلسطين المقدسة. يعني منذ أكثر من مئة عام وفلسطين وطن الثورات، والمقاومة، والاستشهاد.

هل الطُلاّب والطالبات في أميركا وبريطانيا وفرنسا ودول أوربية كثيرة هم الذين عليهم واجب معرفة تأريخ فلسطين المقاوم؟ ومن القوى العالمية التي دعمت الأطماع الصهيونية ومكنتها من احتلال فلسطين عام 1948 وعام1967؟! طبعاً، ناهيك عن احتلال سيناء، وهضبة الجولان التي ما زالت محتلة حتى يومنا، وإلى أن تُحرّر بقوّة السلاح؟ أم طلاب بلاد العرب وطالباتها، والذين تُوّهوا عن قضايا أمتهم، وأقدسها فلسطين؟!

غابت مصر عن دورها، وغاب بطل الأمة جمال عبد الناصر، ودُمّرت ليبيا والعراق، وحوصرت سوريا، وطُمست الدعوات إلى الوحدة العربية، والنهوض العربي. وبقي ثابتاً مع فلسطين صوت حزب الله المقاوم وفعله. وتسيّدت “الدويلات” الإقليمية على ما يسمى “جامعة الدول العربية”، التي من أبرز إنجازاتها “تعليق” عضوية الجمهورية العربية السورية، أي طردها من تلك الجامعة، انحيازاً إلى “دويلات” أرادت تدمير سوريا، آخر معاقل الثقافة العربية والانتماء العربي. لكن سوريا ثبتت، على رغم العدوان التركي العثماني وحشده المرتزقة في إدلب وأريافها، والاحتلال الأميركي شمالي شرقي سوريا، والذي ينهب الثروات السورية النفطية والحبوب، ويجوّع شعب سوريا العربي العريق بتواطؤ ممن حشدوا ألوف القتلة المرتزقة لتدميرها، صمدت وستبقى!

 كانت دول عربية بالاسم هرولت إلى التطبيع، وأكبرها السعودية، التي كانت على وشك أن تطبّع لولا أن فاجأها “طوفان الأقصى” فدفعها إلى التوقف في انتظار خاتمة الحرب! والحرب طالت عليها كما طالت على “دولة” الكيان الصهيوني، التي فقدت هيبتها وسمعتها وانهارت ادعاءاتها وانكشفت فضيحة إعلامها وتزويرها أمام بطولات المقاومين الفلسطينيين والشعب الفلسطيني الملتف حول المقاومة، والذي يعيش في العراء وسط الدمار. وباتت “دولة” الصهاينة مفضوحة في جرائمها ووحشيتها وعجزها، وانتهت أسطورة جيشها الذي قهرته مقاومة فلسطينية في قطاع غزة، وأبطالها القساميون وسرايا القدس ومعهم بعض المخلصين بما يتوفر لهم من إمكانيات، كـ”أبي علي مصطفى” وكتائب الأقصى وكتائب المجاهدين.

في جامعات أميركا يفكّر الطلاّب والطالبات، وفي بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية كثيرة، في مستقبل بلادهم، سواء الإمبراطورية الأميركية، أو الإمبراطوريتين الآفلتين: بريطانيا وفرنسا. وينتفضون على التخريب الصهيوني في بلادهم، وفي العالم، ويرون أن هذه الحرب الوحشية على قطاع غزة تلطخهم، وتشوّه مستقبل بلادهم، وتحكّم فيهم مستبدين متوحشين معادين للبشرية كلها. لهذا، ارتفعت شعاراتهم: فلسطين حرّة. لا لتوظيف أموال جامعاتنا في المؤسسات الإسرائيلية التي تنتج السلاح وتتاجر فيه، ويصمدون في وجه الاعتقالات، والتشويه في حملات من إعلام مسعور يتهمهم بمعاداة السامية، علما بأن طلبة يهودًا يشاركون في الحراك الطلابي في أعرق جامعات أميركا، وفي مقدمتها جامعة كولومبيا العريقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى