اراء

الهجوم الإيراني والمسجد الأقصى بين صورتين

المصدر: محمد جرادات..

احتل مشهد الصواريخ الإيرانية وهي تضيء سماء المسجد الأقصى وقبته المُشرَّفة صدارة مشهدية الرد الإيراني على القصف الإسرائيلي لقنصلية إيران في دمشق، بما أشعل الفضاء الإلكتروني، وصاغ معادلة وعي جديدة نسفت ما سبق للماكينة الإسرائيلية وأدواتها في العالم أن كرّسته في العقل الجمعي الفلسطيني والعربي والإسلامي عبر مسيرة الأعلام التهويدية التي ظهر فيها المسجد الأقصى حزيناً وقبته المشرفة تعلوها طائرة عسكرية للمحتل الإسرائيلي.

حرص الإعلام الإسرائيلي على الترويج لصورة طائرة الشرطة الإسرائيلية وهي تثقل كاهل المقدسيين والعرب والمسلمين، وقد نجحت مسيرة الأعلام وقتها في ترسيخ معاني التدنيس الإسرائيلي للمسجد الأقصى، وترك بصمة عميقة في الوجدان، وهو ما أطلق تراكمياً طوفان الأقصى في السابع القسامي لأكتوبر.

وكانت المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً سرايا القدس، قد تنبهت لهذا الأثر، فحرصت أكثر من مرة على قصف مستوطنات القدس وقت ظهيرة الجمعة، إذ تنطلق صفارات الإنذار وما يعقبها من انفجارات، وقد ترافقت مع صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، في رسالة وعي للمقدسيين عمادها الصلاة في الأقصى.

بدأت عملية تزوير الوعي الإسلامي، ثم تكريس واقع جديد، عبر عمليات هائلة في ضخ صورة نمطية جديدة للمسجد الأقصى، عبر اعتياد تدنيسه، ليس بالزيارات الجماعية والفردية الاستفزازية فحسب، ولكن أيضاً بالشعائر اليهودية المتصلة بأماكن حساسة داخل ساحاته، رغم تجنب ذلك منذ الزيارة الاستفزازية للزعيم الإسرائيلي أرئيل شارون للمسجد الأقصى، وهي التي تسببت في انطلاق انتفاضة الأقصى عام 2000، بما لجم الشهية الإسرائيلية عن هذا النهج لسنوات بعيدة.

ساهم صعود اليمين الإسرائيلي في إحياء المشروع القديم الجديد ضد المسجد الأقصى، وما يمثله من رمزية وعي صلبة في الضمير الفلسطيني والوجدان الإسلامي، وأخذ الاعتياد يكسر حالة الوعي برؤية الاقتحامات الإسرائيلية مع حرب الصورة، وخصوصاً صورة طائرة الشرطة الإسرائيلية فوق القبة مباشرة، بما تعنيه من إذعان ورضوخ يراد ترسيخه في الذهنية العربية، لتتقبله النفسية الفلسطينية وتعتاده كحقيقة واقعية لا مفر منها، باعتبار الهزيمة ونتائجها على المهزوم، وهو ما سبق للزعيم الإسرائيلي عيزر فايتسمن أن تبجح به، وهو يصف مشروع السلام النموذجي عندما تحلق فوقه طائرة F16 بشكل دائم.

هاج طوفان الأقصى وعصف بمنظومة الوعي الإسرائيلية عصفاً تجاوز الزلزال، وعمل الكيان على تحويله من ضربة إلى فرصة، وخصوصاً مع تطرف وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، وعينه لا تفارق الهدف المعلن بتدمير الأقصى لإقامة الهيكل على أطلاله، باعتباره أكبر هدف صهيوني يراد تنفيذه في لحظة تاريخية مناسبة.

دخل الكيان في انسداد ميداني في رمال غزة الصابرة المثابرة، وعمليات إسناد الجبهات تتفاعل من لبنان حتى اليمن مع تصاعد جبهة الضفة. هنا بدأ التوحش الإسرائيلي يتلاطم بما تجاوز حرب الإبادة في غزة والسجون لما هو طيش الأفق باعتباره هيبة ردع، فكان باب الفرج الإيراني، وفق تعبير السيد حسن نصر الله، باتجاه استكمال المعركة نحو النصر، وإن عبر سيل من الدماء الطاهرة في دمشق لقائد المستشارين الإيرانيين أبي مهدي زاهدي ورفاقه في القنصلية.

تطلب الميدان هيبة الردع الإيرانية باعتبارها ظهير المقاومة الشامل، وهذه الهيبة متطلب عسكري وسياسي بالأساس بعيداً عن ثقافة الوعي، ولكن التداخل في الصراع الإسلامي الإسرائيلي عميق ومتجذر، ويمكن اختصاره برمزية الصواريخ الإيرانية وهي تبدد عتمة ليل القدس الحزين، وقد شاهدها المقدسي بشكل مباشر ببصره وبصيرته، ونقلوها مع هتافات العزة للعالم، بما يُعجز ماكينة الأقلام المأجورة المهزومة عن مواجهة حالة الوعي التي انساحت في نفسيات الشعوب المولودة على الفطرة في بغض “إسرائيل” وعشق الأقصى.

عبرت صواريخ خيبر مسافة 2000 كم، متجاوزة أحدث منظومات الدفاع العالمية، بهدي صرخة: يا رسول الله، لتحلق في طريقها مباشرة فوق المسجد الأقصى.

مشهد وعي ممتد عبر عبق التأريخ، منذ خيبر التي كسر بابها عليّ بن أبي طالب، بحبه لله ورسوله، بما يؤسس لمنظومة فكرية نفسية جديدة تتجاوز الفواصل المذهبية لما هو وحدة الأمة نحو القضية الجامعة فلسطين، بما تمثله من رمزية مواجهة التحدي الغربي الحديث وجوهرية الرسالة الدينية في هذا التحدي، وعبر ناظم إسلامي محض يعيد إلى الصراع وهجه الحق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى