فيلم «قضية غرباء» .. إظهار اللاجئين السوريين كمساكين

فيلم «قضية غرباء» (The Strangers› Case) للمخرج براندت أندرسن،الذي أخرج فيلماً قصيراً نال نجاحاً فحوّله إلى هذا الفيلم الروائي الطويل، المشارك في مهرجان برلين السينمائي ضمن «العروض الخاصة».
بأسلوب سردي ممتع، من خلال فصول لكل منها اسم إحدى الشخصيات وقصتها، تتقاطع القصص وتتكامل ليَخرج الفيلم أخيراً بسياق واحد يحوم حول عائلة سورية تحاول الهرب من حلب إلى الولايات المتحدة بطرق غير نظامية. هذا الأسلوب السينمائي المستوحى من الأدب، والحاضر في العديد من الأفلام، إلى جانب النية الحسنة لصانع الفيلم، كما نفترضها، لم يُخرجا الفيلم من تنميط أبيض «ينظر بعين العطف» بحدّه الأقصى، إلى هؤلاء «المساكين». يبدأ الفيلم بصور واسعة لأمريكا وعمرانها، وتنتهي بأمريكا كذلك، بعدما تمكنت العائلة من الوصول إلى «أرض الأحلام». ما بين المشهدين تتبين المأساة، من عنف الجماعات الإرهابية إلى عصابات التهريب في تركيا. مآسٍ تتلاحق على الشخصيات، وهي لأكثر من عائلة، تنتهي، المآسي، حين يصلون إلى يدي الرجل الأبيض، المخلِّصتَين، حين يغطس شرطي السواحل اليوناني لإنقاذ من سقط من القارب الصغير، في مشهد هوليوودي تام، حيث الفرد البطل ينقذ الجماعة العاجزة. الأول عطوف يلعب الكرة مع ابنه ويسأل عن عدد الأرواح التي أنقذها مع رفيقه، على طاولة الغداء، والآخرون أرواح شريدة وكائنات بائسة هاربة من كوارث، سيتلقّفها العالَمُ الغربي، بدءاً من اليونان وصولاً إلى «أرض الأحلام».
الفيلم أقرب إلى تقرير حقوقي لمؤسسة أوروبية أو أمريكية، لا تخلو عباراته/مشاهده من لذة التفوق الإنساني والأخلاقي في تغطية اللاجئين وإطعامهم بعد إنقاذهم، في تغييب تام، في الفيلم، لأي إشارة إلى الدور المحوري لهذا المجتمع، لأنظمته الحاكمة، في توليد المأساة في سوريا واستدامتها. فالصراع هناك، بالنسبة للناشط الأبيض المتمتّع بميزات هي استعمارية في النهاية، محصور بتعقيدات دينية وعرقية في بلدان لم تعرف إلا الحروب. ومشهد للأذان مرفوعاً مع لقطات الدمار والحروب، تقديم نموذجيّ لذلك. الأمر أشبه بما نراه اليوم من الدعم الأمريكي الشامل لإسرائيل من ناحية، وإنزال سلال غذائية إلى الغزيين بالمظلات، في عمل، كما هو الفيلم، استعراضي لإظهار نية حسنة لا تفيد سوى سد حاجات «ضميرية» أو «أخلاقية» لأصحابها، تجاه أنفسها لا تجاه الآخرين.
لو أن الصورة في الفيلم، الهوليوودية، الاستهلاكية بالتالي، المأخوذة ببعدها الأول وحسب، لو أنها لم تكن بالتبسيط الذي أظهر أشراراً هم عناصر النظام، يمارسون الفظائع بمدنيين هم العائلة الحلبية، فيلجأ هؤلاء إلى العالم الغربي “المنقذ الحتمي”، بقفزةٍ سِيركِيّة للشرطي اليوناني، ثم العناية الفائقة حتى الوصول والعمل في مستشفى أمريكي، لو لم تكن الصورة بالتبسيط الفج هذا، كأننا أمام فيلم آخر من «حرب النجوم» لاستساغ أحدنا النية الحسنة لناشط أمريكي أراد، بسذاجة، أن يعبّر عن تضامنه مع اللاجئين
السوريين لكن دائماً العمل الفني يجب أن لا يكتفي ببساطة العمل الإنساني. أوروبا، وإن كانت أرضاً للخلاص، وأمريكا أرضاً للأحلام، تبقى في الفيلم للاجئين حدود لا يمكنهم تخطيها. يبقون تحت سقف العطف، المادة المدرّة للدموع، كما أظهرها الفيلم، حتى في لحظة النجاح، في المشاهد الأخيرة، حين نكتشف أن الطبيبة الحلبية التي تعمل في المستشفى الأمريكي، أنها عاملة تنظيف هناك، ولمزيد من الابتذال، نجدها تلفت نظر الطبيب الأمريكي إلى نقطة سوداء في صورة أشعة لأحد المرضى لم يلتفت هو إليها.



