اخر الأخبار

أضواء حول المشكلة الاقتصادية في العراق

 

من نافلةِ القول أنَّ الاقتصادَ العراقي شهد تحولات في نظامِه واتجاهاته وأدائه منذ مطلع العقد الخامس من القرنِ الماضي وحتى يومنا هذا، فضلاً عن تعرضِه إلى صدماتٍ عنيفة بفعلِ رؤى القيادات السياسية الَّتِي ترتب عليها إقحامِه في ظروفٍ معقدة أفضتْ إلى زعزعةِ استقراره، ولعلّ أبرز هذه المحطاتِ حرب الخليج الأولى الَّتِي دامت ثماني سنوات وتسببتْ باستنزافِ جميع الاحتياطيات الأجنبية الَّتِي استخدمت لأجلِ تمويل الإنفاق الحربي، بالإضافةِ إلى كارثيةِ آثار هذا التوجه الَّذي كان في مقدمةِ نتائجه المأساوية التشوه في بنيةِ البلاد التحتية، إلى جانبِ قطاعات الإنتاج الرئيسة، حيث وصلتْ قيمة الإضرار حينئذٍ إلى نحو (453) مليار دولار أمريكي بحسبِ البيانات الحكومية.
وحين أطلَ عقد التسعينات من القرنِ المنصرم على المجتمعِ البشري، كان الاقتصاد العراقي وهو لم يتعافَ بعد على موعدٍ مع سلبيةِ آثار حرب الخليج الثانية، الَّتِي ترتبَ عليها فرضُ عقوبات اقتصادية أدخلت البلاد بعزلةٍ دولية وإقليمية، فضلاً عن جسامةِ التعويضات المالية، الَّتِي قدرت خسائرها بما يقرب من (200) مليار دولار أمريكي بالاستنادِ إلى الوثائقِ الدولية.
بعد أفول الدكتاتورية على خلفيةِ انهيار النظام السابق في عام 2003 م، دخل الاقتصاد الوطني أخطر مراحله وأكثرها تراجعاً جراء خضوع العراق للاحتلالِ الأجنبي، الَّذي كان في القلبِ من آثارِه تدمير بنيته التحتية بشكلٍ كامل، ولاسِيَّمَا الآثار الوخيمة لقرارِ الحاكم المدني للعراق بول بريمر الَّذي قضى بدفعِ نسبة (5%) ضرائب على جميعِ السلع المستوردة من خارجِ البلاد، ما أفضى إلى حرمان العراق من تعظيمِ موارده، وإخفاقه بحماية المنتج الوطني وعدم إمكانية تطبيق القانون الاقتصادي الَّذي من شأنه حماية السوق المحلي وعدم جعله مناخا ملائماً لتسيدِ ظاهرة الإغراق السلعي، ما تسبب بالإساءةِ إلى سيادةِ البلاد المالية والاقتصادية. وأدهى من ذلك ارتباط المشكلة الاقتصادية في البلادِ بالمشكلةِ السياسية، الَّتِي أبرز صورها المؤثرة تسبب المحاصصة بشيوعِ آفة الفساد الإداري والمالي، وما ترتب عليها من تبعاتٍ أخرى ساهمت بوصولِ أفرادٍ غير مؤهلين لإدارةِ الملف الاقتصادي.
وضمن هذا السياقِ تجدر الإشارة إلى أنَّ الاقتصادَ العراقي ما يزال أسير التشتت والتراجع، معتمداً على مختلفِ دول العالم، فضلاً عن محيطِه الإقليمي بمهمةِ تغطية حاجات السوق المحلي، بوصفِه في مقدمةِ البلدان المستهلكة لبضائعٍ وسلع ضرورية أو غير ضرورية من خارجِ البلاد على الرغم من أنَّ البيانات الرسمية تشير إلى استنزافه ما يزيد عن ( 500 ) مليار دولار في المدة الماضية. وتتجسد المشكلات الكبيرة، الَّتِي تواجه الاقتصاد العراقي اليوم بمجموعةٍ من العوامل الموضوعية الَّتِي من أهمِها ارتفاعِ حجم المديونية الخارجية، تباطؤ معدلات النمو، تراجع إنتاجية قطاعي الزراعة والصناعة، الاعتماد على الاستيرادِ الخارجي بنسبةٍ عالية نتيجة تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي، الَّتِي أفضت إلى انهيارِ القطاع الخاص، والقوانين القديمة المعرقلة لانضاجِ البيئة الاستثمارية.
إنَّ واقعَ الاقتصاد العراقي الَّذي يترنح اليوم، يلزم القيادات الإدارية إلى ركونِ نهج الدراسات العلمية المستفيضة الَّتِي تعتمد الواقعية في تحليلِ معطياته، إلى جانبِ ضرورة الاستفادة من تجاربِ الدول الأخرى في هذا المجال، ولاسِيَّمَا البلدان الَّتِي نجحتْ برامجها وسياساتها في التأسيسِ لاقتصادياتٍ رصينة وفاعلة وغير متأخرة على الرغمِ من عدمِ امتلاكها موارد اقتصادية مثل النفط؛ لأجلِ الوصول إلى معالجاتٍ من شأنِها إخراج العراق من الأزمةِ المالية الَّتِي يعيشها اليوم. إذ أنَّ وفرةَ الموارد الَّتِي تتمتع بها بلادنا وتنوعها وضخامتها بمعزلٍ عن ثروة النفط ما تزال رهينة الحاجة إلى إعادةِ تنظيم وإدارة بمقدورها التعامل معها بأمثلِ استغلالٍ بقصدِ توجيهها لخدمةِ الاقتصاد الوطني عبر تطوير مختلف قطاعات البلاد الاقتصادية لأجلِ زيادة إنتاجيتها بمعدلاتٍ تفضي إلى المساهمةِ بتحقيقِ مهمة تنويع مصادر الدخل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى