إقتصادي

جيل الشباب بين التعيين في دوائر الدولة وبين العمل الحر أو الضياع

محمد توفيق علاوي
لقد تم تقديم هذه الدراسة وما سأذكره من توصيات إلى رئاسة الوزراء وإلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء وإلى هيئة المستشارين في مجلس الوزراء وإلى جميع الوزراء وإلى مجلس النواب وإلى جميع مجالس المحافظات في شهر أيار عام ٢٠١١ عندما كنت وزيراً للاتصالات تحت عنوان (وضع سياسة جديدة بهدف القضاء على البطالة)، لقد كان هناك اهتمام من قبل أكثر من جهة في ذلك الوقت بتلك الدراسة وحصلت عدة إجابات، ولكن لم يتخذ أي إجراء فعلي من قبل الجهات التنفيذية، للأسف بقيت تلك الدراسة وتلك التوصيات حبرا على ورق. يوجد ما يقارب ثلاثة ملايين عاطل عن العمل في العراق أغلبهم من الشباب، وفي كل سنة هناك نحو أربعمائة ألف شاب وشابة من خريجي الجامعات وتاركي المدارس في المراحل المختلفة القادرين على العمل، ولا يمكن للدولة الآن في هذا الظرف الصعب امتصاص أكثر من خمسين ألف شاب وشابة لتعيينهم في القطاعات المختلفة، للأسف نفتقد في العراق أية دراسة وأية خطة وأية سياسة فعالة لإيجاد فرص عمل لأكثر من ثلاثة ملايين عاطل عن العمل. ماذا يمكن فعله لإنقاذ هذه الفئة من الشباب والكثير منهم من خريجي الجامعات وإيجاد فرص عمل مناسبة لكي يعيش هؤلاء حياة طبيعية وتوفير مورد كافٍ لهم لتكوين عائلة وتوفير سكن مناسب وتوفير حياة رغيدة ويأخذوا دورهم في المجتمع لزيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد (GDP)، حيث إن إجمالي الناتج المحلي في العراق والبالغ بحدود (6800) عام ٢٠١٤ يعتمد اعتمادا شبه كلي على النفط الذي يشكل أكثر من (60%) من الناتج المحلي، فإنتاج المواطن العراقي لا يبلغ (2700) دولار من الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات الأخرى في السنة، أما في دولة مثل تركيا التي لا تختلف عن العراق إلا في منتجعاتها السياحية فإجمالي الناتج المحلي للفرد (GDP) يبلغ نحو (10,800) دولار في السنة، وإنتاج المواطن التركي من الزراعة والصناعة وباقي الفعاليات من دون السياحة يبلغ نحو (9,600) دولار في السنة، خلاصة الأمر أن المواطن العراقي غير منتج، ومن دون النفط يمكن أن ينهار الاقتصاد بالكامل، ولكن من هو المسؤول عن هذا الواقع، هل المواطن نفسه ؟ الجواب: كلا؛ المسؤول الأول والأخير هي الحكومة المسؤولة عن وضع ورسم السياسات الاقتصادية للبلد، لا أقول (أن سياساتنا الاقتصادية غير صحيحة) بل التعريف الصحيح (إننا لا نمتلك سياسة اقتصادية) بسبب إن أكثر المتصدين من الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣ حتى يومنا هذا هم أناس إما جهلة أو إن همهم ألأساس هو مصالحهم الخاصة والفساد ولا اهتمام لهم بمصالح الشعب أو مصلحة المواطن الشريف الذي لا يقبل أن يفسد أو أن يغترف من أموال الحرام.
إن السياسة الاقتصادية التي يجب تبنيها ذات أربعة محاور:
المحور الأول: توجيه الشباب وبالذات خريجي الجامعات للعمل من اجل الاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
المحور الثاني: توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص.
المحور الثالث: إقامة مشاريع ضخمة كقطاع مختلط في مختلف القطاعات (الصناعية, الزراعية, السياحية والخدمية الأخرى).
المحور الرابع: توجيه الشباب للعمل على مستوى شركات ومؤسسات القطاع العام القائمة بعد إعادة هيكليتها وتحوليها إلى شركات ومؤسسات رابحة ومنتجة.
يحتاج هذا الامر إلى توفير ثلاثة عناصر أساسية، الأول (هيئة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة) والثاني مراكز التدريب والثالث مصرف الاستثمار، وسنتناول أدناه كل من هذه العناصر الثلاث:
1. تشكيل هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث تتولى هذه الهيئة عمل دراسات جدوى للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، كالمشاريع الزراعية وتربية الحيوانات والألبان والمشاريع الصناعية المختلفة والمشاريع السياحية والمشاريع الخدمية الأخرى. ابتداء لا يجوز أن يشرف على هذه الهيئة أشخاص يتم تعيينهم لمجرد التعيين فتغدوا كالهيئات الحالية التي يشرف عليها أناس أكثرهم من الجهلة والمفسدين ويتحولوا إلى عبء على ميزانية الدولة، ولكن يجب اختيار أناس كفوئين حتى لو تطلب الأمر جلب كوادر غير عراقية ممن يستطيعوا أن يحققوا الأهداف المطلوبة من إنشاء مثل هذه الهيئة..
2. إنشاء مراكز للتدريب في جميع المحافظات وبالتنسيق مع كافة الجامعات ويخصص هذا التدريب لخريجي الجامعات لمدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة ، حيث يدرب الطلاب عن عمل دراسات الجدوى للمشاريع المختلفة سواء الصناعية أو السياحية أو الزراعية أو الخدمية الاخرى ، ويدرب الطلاب على العناصر الواجب توفرها لإنجاح المشروع ومكان انشائه وكلفته والأرباح المتوقعة، وطرح نماذج حية لمشاريع قائمة ناجحة ومشاريع فاشلة، مع التعريف بأسباب النجاح وأسباب الفشل. نجاح هذه المراكز التدريبية يعتمد بشكل كبير على المدربين، حيث ابتداء يجب جلب أناس أكفاء ولديهم خبرة في إنشاء المشاريع المختلفة، وبالتأكيد ستكون هناك حاجة في البداية لجلب أشخاص من خارج العراق، كما يجب إنشاء معاهد لتدريب المدربين حتى يتولى كادر عراقي بعد بضع سنوات من إدارة هذه المراكز.
3. مصرف الاستثمار، إما أن يتم تأسيس مصرف جديد، أو اعتماد أحد المصارف الحكومية القائمة كالرافدين أو الرشيد أو المصارف المتخصصة كالصناعي أو الزراعي أو الإسكان أو غيرها، المهم إيداع مبلغ بين المليار إلى ثلاثة مليارات دولار من قبل الحكومة في حساب خاص لمثل هذه المشاريع. لقد قدمت نسخة من هذه الدراسة عام ٢٠١١ إلى الأمين العام لمجلس الوزراء السيد علي العلاق، فقام السيد العلاق بعد توليه مركز محافظ البنك المركزي برصد ستة مليارات دينار للمشاريع الزراعية والصناعية والسكنية، ولكن رصد مبلغ للمشاريع الزراعية والصناعية من دون وجود الهيئة ومراكز التدريب معناه أنه يمكن أن يشوب العملية الكثير من الفساد وتدخل (الواسطات) وفشل الكثير من المشاريع من دون وجود دراسات صحيحة للجدوى من قبل أشخاص مهنيين ولديهم خبرة في هذا المجال.
أما الخطوات التي يجب اعتمادها فهي:
– تتعاون الهيئة ومراكز التدريب مع الطلاب بعد إكمال الدورة لتشكيل مجموعات متفاهمة فيما بينها لإنشاء المشاريع المختلفة ، وتتكون المجموعة من طالبين أو اكثر.
– تتولى الهيئة ومركز التدريب التنسيق مع المصرف المحدد لهذه الغاية لتوفير قروض ميسرة اعتماداً على ضمانة الهيئة ، وإذا زادت كلفة المشروع عن مقدار معين من المال يمكن أن تطلب ضمانة اخرى ككفالة عقارية أو غيرها ، ويتم التنسيق بين هذه الهيئة والهيئة الوطنية للاستثمار بشأن مثل تلك المشاريع .
– تبقى الهيئة بالتنسيق مع مركز التدريب حاضنة للمشروع المزمع انشاؤه لمدة لا تقل عن سنة حتى يتمكن من النهوض والنجاح اعتماداً على الاشخاص المؤسسين كما تتولى الهيئة تذليل كافة العقبات التي تواجه مثل هذه المشاريع وتقديم التوصيات للوزارات ومجلس الوزراء ومجلس النواب لإصدار التعليمات والتشريعات والقوانين التي تسهل تحقيق مثل تلك المشاريع وتحقيق الربح المتوخى .
– ليس بالضرورة ان يقتصر مركز التدريب على قبول خريجي الجامعات ، بل يمكن قبول خريجي المعاهد بل حتى الطلاب ذوي التحصيل العلمي الضئيل حيث هناك بعض المشاريع التي لا تحتاج الى تحصيل علمي كبير ، ويمكن ايضاً توفير التدريب حتى لموظفي الدولة الذين يرومون انشاء المشاريع الخاصة والمتقاعدين والعمل ضمن مجموعات ، حيث إذا أريد للبلد ان يكتفي زراعياً وصناعياً واتخذت ومثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة ستلقى رواجاً واسعاً ونجاحاً كبيراً، وسيزداد إنتاج الفرد العراقي، وتتوقف عملية استيراد الكثير من البضائع المصنعة والمحاصيل الزراعية، بل يتحول البلد إلى مصدر لهذه المنتجات .
– يجب تخصيص ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً من الميزانية للمصرف المزمع انشاؤه لمثل هذه المشاريع وتتم زيادة المبلغ إلى نحو ثلاثة مليارات دولار في السنة اعتماداً على الحاجة والمشاريع المطلوب انشاؤها.
وإذا استعملنا لغة الارقام وافترضنا جدلاً إن معدل كلفة المشروع الواحد بحدود ثلاثمائة الف دولار، وإن مثل هذا المشروع يمكن ان يستوعب عشرة إلى عشرين عامل، فمعنى ذلك إنه يمكن إنشاء نحو عشرة آلاف مشروع بمقدار ثلاثة مليارات دولار، وذلك يعني إمكانية تشغيل نحو مئة الف إلى مئتي الف شخص، وبذلك يمكن امتصاص نحو نصف الزيادة السنوية للقوى العاملة من الشباب.
لو تم الأخذ بهذه التوصيات وطبقت منذ عام ٢٠١١ فضلاً على التوصيات اللاحقة حيث كانت الموازنة الانفجارية لما كانت هنالك بطالة اليوم ولأمكن زيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد العراقي (GDP) بشكل كبير بحيث يمكن امتصاص الآثار السلبية لانخفاض أسعار النفط في يومنا الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى