اراء

قطرة غيرة وحياء

بقلم: جمعة إرحيمة الفرطوسي..

حلَّ يوم الخميس، وكانت رسلية تنثر مفاتن جمالها بين بنات السلف، بياضها أنقى من الذهب الأبيض، الذي يدره جاموس الهور، الخميس هو موعد زفافها من ابن عمها سلمان، لقد أتم الجميع واجب مراسيم الزفاف، وذهب سلمان ورسلية إلى عشهم الزوجي، ليعيشا طقوس ليلة الزفاف، وفي لحظة هدوء الهور وسكون الليل وأزيز الأصوات المنبعثة من أعماق الهور، كان حلم رسلية وسلمان يسري بهمس طاهر، يتجلى فيه حديث العشق الذي تحققت أحلامه، وعند إطلالة الفجر الأول على كوخهم الصغير المتكون من القصب والبردي، نهضت العروس رسلية فجراً حالها حال بنات السلف لتلملم مخدع عرسها، وتهيئ لفارس أحلامها الحليب الندي من جاموسة كانت مهداة من عمها أبو سلمان، خرجت وكانت خطوات خروجها تخبئ لها مأساة مؤلمة، وما هي إلا لحظات، وإذا بسقوط قذيفة هاون على كوخها كانت مصدرها من حملة عسكرية من قبل أجهزة نظام البعث، صرخت رسلية راكضة باتجاه زوجها، يقابلها صوت سلمان المحاصر بين النيران الذي كان يطالبها بالابتعاد وعدم دخول بيت القصب، لالتهام النيران لكل أركانه، لكنها لم تبالِ بذلك الصوت واتجهت صوب عريسها صارخة سلامتك يا بعد أمي وهلي، حاصرت النيران العروسين، وتمكنا من الخروج بصعوبة بعد احتراقهما بالنيران المستعرة، ألقت أجهزة الأمن البعثية القبض على سلمان بدون تهمة تذكر، وبقيت رسلية عروساً محترقة في بيت مستعر وزوج مسجون، الجريمة التي ارتكبوها هي إنهم من سكان أهوار ميسان، ومنذ ذلك اليوم المشؤوم أجبرت رسلية على تغطية وجهها بفوطتها بعد أن انقسم إلى قسمين، قسم بقي لامعاً كالذهب وشاهداً على ما أمتلكته رسلية من جمال، والقسم الآخر اضحى شاهداً حياً على قبح نظام البعث وجرائمه الوحشية، أصبحت رسلية بعين واحدة وكأن الأقدار العجيبة أرادت أن تثبت إن خداً واحدة كانت عصية على الجريمة وجحيم الطغيان، فبقي ماؤه صافياً زلالاً وبقي حنكها منقوطاً بالشذر وفمها طافحاً بالندى والكرم، لقد أحرق إجرام البعث وجهها وشوّه صورتها الجميلة وسرق سعادتها في ليلة زفافها، لكنه لم يتمكن من طمس جريمته، لأن الله سبحانه وتعالى أراد إبقاء النصف الآخر من وجهها، ذهبياً ندياً نقياً شاهداً على تلك الجريمة، حيث تجاور القبح كله بجوار الحسن كله ليكون لصيقاً به، الجمال قد صنعه الله والقبح صنعه الطغيان.

هذا الصراع وهذه القصص المأساوية كانت تحصل بشكل يومي ومتكرر في أهوار العراق في عهد حقبة البعث، وهذا الصراع جرى بين طرفين غير متكافئين تماماً ولا أقصد به التكافؤ المادي، فهذا الأمر يكاد يكون بديهيا بل أقصد عدم تكافؤ بالمثل العليا والقيم والثقافة، معركة بين إنسان بسيط لا يملك أبسط مقومات الحياة سوى ما انتجته له الطبيعة من ماء وقصب وبردي ودواب وجاموس كان جله من صنع الخالق، ولم يكن للنظام الحاكم أي فضل فيه، قبالة نظام سياسي وحكومة تسيطر على العراق كله بنفطه ومائه وأرضه وسمائه، كان ابن الهور ينشد البقاء والحياة على مشقاتها وعلاتها وسلطة البعث كانت تنشد القضاء على حياته وحرمانه من خيراته، المعركة كانت بين إنسانية متشبثة بالماء والقصب والبردي وبين مخلوقات تدير نظام حكم مدججة بمختلف الأسلحة الفتاكة وتمتلك جيشاً ومؤسسات وجامعات ومراكز بحوث، نظام لا يمت للإنسانية بأية صلة، ولا بأي نسب، لكونه نتاج ملة لصوص أجلاف جرائم وقطاع طرق .

هذه الشواهد والقصص هي مصداق على حقيقة الإنسان المجرد من الإنسانية والرحمة التي لم تكن يوماً من الأيام تقاس وتحكم بمقدار التحصيل الدراسي أو المستوى الثقافي والعلمي والمنصب والمكانة والمتتبع للأحداث التي حصلت بعد ٢٠٠٣ في العراق يمكنه أن يقدم شواهد كثيرة على جرائم ومفاسد وسرقات كان مرتكبوها ممن تقلد مناصب قيادية ولديهم شهادات جامعية عليا ولديهم رصيد ثقافي عالٍ، الإنسان مهما بلغت مكانته العلمية والثقافية يبقى عرضه لنوازع ومصالح شريرة يلجأ إليها لتحقيق مصالحه الفاسدة، هناك من يكون أهلاً للإنسانية فيقاوم الانحراف والشذوذ ليحافظ على إنسانيته وصلاحه سواءً كان حاكماً أو أستاذاً جامعياً أو عاملاً أو فلاحاً وهناك من يضعف أمام نوازعه الشريرة، قيمة إنسانية الإنسان لا تخضع لقيود الشهادة والثقافة والمكانة والمنصب لكونها قيم اعتبارية، الإنسان الصالح يمكن أن تجده بكل فئات وطبقات ومستويات المجتمع والطالح يمكن أن تجده في كل فئات المجتمع، لكن، تبقى هناك نقطة فاصلة بين الطرفين هي قطرة الحياء والغيرة في جبين الإنسان هي وحدها من تتحكم بالإنسان والسير به صوب إنسانيته وخلقه أو فساده وانحرافه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى