اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الحسن المجتبى (ع) وحلم يزن الجبال

الشيخ الحسين أحمد كريمو..

كل مَنْ يدرس تاريخ وسيرة الإمام الحسن (ع) يجده مظلوماً، مهضوماً، حتى من شيعته ومحبيه وأقرب الناس إليه، كما أنه تستوقفه تلك الأخلاق الراقية جداً التي كان يتمتع بها الإمام الحسن، برغم أنه في عصره كان لا نظير له ولا شبيه إلا صنوه الإمام الحسين (ع)

مقدمة أخلاقية

الأخلاق والالتزام بمنظومة القيم الأخلاقية هي من أرقى الصفات الحضارية عند البشر، وهي عادة مكتسبة لأنها ليست من ذاتيات الإنسان التي تولد معه أو ينفطر عليها كالعقائد الحقة، بل هي مما يكتسبه الإنسان من أهله وأبويه أولاً، ثم من المجتمع الصغير من حوله، ثم المجتمع الكبير الذي يحيط به، وكلما كانت الأسرة والمحيط راقياً وملتزماً بهذه القيم، ينشأ الطفل عليها ويتربَّى على الفضائل ويتكامل فيها وتظهر منه في الحياة الاجتماعية فيما بعد ويعرف بها فيقال عنه: فلان مؤدَّب، وأخلاقي، ومتربِّي تربية صالحة.

ولكن هذه القيم -عادة- لا تجتمع في شخص واحد من البشر العاديين، ولكنها تجتمع بأولئك الكُمَّلين من البشر كالأنبياء والأوصياء، والأولياء، الذين جعلهم الله سبحانه قدوات وأسوات ومقاييس للبشر حتى يقتدوا بهم ويتأسوا بسيرتهم ويكونوا أعلام هداية في المجتمعات، يدلونهم على الخير والفضيلة والهداية عبر الأجيال وفي كل زمان ومكان، وعلى رأس هؤلاء العظماء الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) الذي بعثه الله سبحانه رحمة للعالمين، وأسوة لمَنْ يرجو الله واليوم الآخر، وهو الذي كان أكمل الخلق طراً لأن الله سبحانه ربَّاه على عينه، واصطنعه لنفسه، فقال له عنه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

من أخلاق الإمام الحسن (ع)

حقيقة إن كل مَنْ يدرس تاريخ وسيرة الإمام الحسن (ع) يجده مظلوماً، مهضوماً، حتى من شيعته ومحبيه وأقرب الناس إليه، كما أنه تستوقفه تلك الأخلاق الراقية جداً التي كان يتمتع بها الإمام الحسن، برغم أنه في عصره كان لا نظير له ولا شبيه إلا صنوه الإمام الحسين (ع)، وهو شبيه جده رسول الله (ص) ولذا يذكر المؤرخون كمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ قَالَ: (مَا بَلَغَ أَحَدٌ مِنَ اَلشَّرَفِ بَعْدَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مَا بَلَغَ اَلْحَسَنُ كَانَ يُبْسَطُ لَهُ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ اِنْقَطَعَ اَلطَّرِيقُ فَمَا مَرَّ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ إِجْلاَلاً لَهُ، فَإِذَا عَلِمَ قَامَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ فَمَرَّ اَلنَّاسُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مَاشِياً فَمَا مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ أَحَدٌ رَآهُ إِلاَّ نَزَلَ وَمَشَى، حَتَّى رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَمْشِي).

والإمام الحسن انطلق من المنطلقات نفسها التي انطلق منها والده أمير المؤمنين في حياته حيث قال: (سَلاَمَةُ اَلدِّينِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ)، والإمام الحسن (ع) سار بنفس الطريق والمنهج الذي بيَّنه وسار عليه خلفه الصالح ووالده العظيم، حيث ضحَّى بالخلافة والحكم من أجل وحدة الأمة الإسلامية وسلامة الدِّين الحنيف، يقول الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) في ذلك: (إن الإمام الحسن (ع) صالح معاوية لحفظ دماء المسلمين والمؤمنين، ولم يبايع معاوية قط، ولم يتنازل له في أمر الإمامة، ولا أقرَّ له بالخلافة، بل شرط ألَّا يُسمَّى معاوية بأمير المؤمنين. وذلك كما صالح الرسول الأعظم (ص) المشركين في الحديبية ولم يبايعهم.. وكما سكت أمير المؤمنين علي(ع) على مَنْ غَصَبَ الخلافة منه ولم يبايعهم أبداً.. ولولا الصلح لما ترك معاوية من شيعة علي (ع) على وجه الأرض أحداً إلاّ قتله).

حواريات ومواقف الإمام الحسن (ع)

كم تعجبت ووقفت طويلاً عندما قرأتُ مواقف وحواريات واحتجاجات الإمام الحسن على معاوية وبني أمية في بيوتهم ومجالسهم وهم كانوا حكام والناس وسلاطين الزمان، والإمام الحسن كان عدواً وهدفاً لهم فلا يستطيعون أن يغضُّوا الطرف عنه فكلما اجتمعوا في مكان كانوا يحاولون من إنزال شأن وعظمة الإمام الحسن (ع) بأقوالهم الباطلة وكذبهم وأفكهم ولكنه كان يلقنِّهم درساً لن ينسوه، ويعلِّمهم أدباً لم يعرفوه، وذلك بكلمات ومواقف لا يستطيعون أن يكذبوها أو ينكروها عليه.

حلم الإمام الحسن السبط (ع)

وأحببت في هذه العجالة، أن أشير إلى هذه الجزئية الأخلاقية طالما تحدَّثوا بها ووصفوا بها معاوية بن هند ألا وهي (الحلم) حتى أنه كان يروي ابن أبي الحديد فيقول: أن معاوية قال: إن قريشاً قد عرفت أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلا ما جعل الله لنبيه (صلى الله عليه وآله)، فإنه انتجبه وأكرمه، ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء).

فقال له صعصعة بن صوحان: (كذبت! قد ولدهم خير من أبي سفيان! مَنْ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر والفاجر، والكيس والأحمق).

والعجيب أن هذا الشخص يفتخر بهذا القول وهو الذي يُدعى إلى أربعة أسوأهم وألأمهم أبو سفيان صخر بن حرب، فكيف يفتخر بأبيه وهو لا يَعرف له أب كما يروي الزمخشري وابن أبي الحديد وغيرهما بأنه دَعي أربعة، ويتطاول على عروق الثرى، ومأوى الهدى، ومنبع الصلاح والتقوى، ولذا سأتناول هذه الخصلة (الحلم) عند الإمام الحسن الذي اعترف بها أعدى أعدائه من البيت الأموي في آخر لحظاته في هذه الدنيا، وهي ما كانت تميِّز الإمام الحسن (ع) في عصره ولذا حاول أن يسرقها معاوية شخصياً منه ويدَّعيها لنفسه وعائلته كذباً وزوراً.

حلم يزن الجبال

نعم؛ هذا هو الحلم، وهذا هو الحليم، الذي يكظم غيظه، ويحبس نفسه، ويضبط غضبه حتى عن مثل معاوية والوليد وعمرو بن العاص ومروان الوزغ وأشباههم وأمثالهم، وهو قادر على البطش بهم، ويروي اَلْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ اَلْحَسَنَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنْ يَصْعَدَ اَلْمِنْبَرَ وَيَنْتَسِبَ فَصَعِدَ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “أَيُّهَا اَلنَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَسَأُبَيِّنُ لَهُ نَفْسِي؛ بَلَدِي مَكَّةُ وَمِنًى، وَأَنَا اِبْنُ اَلْمَرْوَةِ وَاَلصَّفَا، وَأَنَا اِبْنُ اَلنَّبِيِّ اَلْمُصْطَفَى، وَأَنَا اِبْنُ مَنْ عَلاَ اَلْجِبَالَ اَلرَّوَاسِيَ، وَأَنَا اِبْنُ مَنْ كَسَا مَحَاسِنَ وَجْهِهِ اَلْحَيَاءُ، أَنَا اِبْنُ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ اَلنِّسَاءِ، أَنَا اِبْنُ قَلِيلاَتِ اَلْعُيُوبِ، نَقِيَّاتِ اَلْجُيُوبِ” فقطع معاوية عليه خطبته بالأذان.

(وَأَذَّنَ اَلْمُؤَذِّنُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ مُحَمَّدٌ أَبِي أَمْ أَبُوكَ فَإِنْ قُلْتَ لَيْسَ بِأَبِي فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ قُلْتَ نَعَمْ فَقَدْ أَقْرَرْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ تَفْتَخِرُ عَلَى اَلْعَرَبِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا وَأَصْبَحَتِ اَلْعَرَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى اَلْعَجَمِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا وَأَصْبَحَتِ اَلْعَجَمُ تَعْرِفُ حَقَّ اَلْعَرَبِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا يَطْلُبُونَ حَقَّنَا وَلاَ يَرُدُّونَ إِلَيْنَا حَقَّنَا).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى