رواية “ظلال ماري”.. طيبة الأم العراقية وأجواء البصرة السياسية

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يعد الكاتب زكي الديراوي، واحداً من الذين دخلوا الى كتابة الرواية عبر بوابة الشعر، فكان كل ما يكتب ممزوجاً بروح الشعر، وهذا ظهر بوضوح في روايته “ظلال ماري” التي كتبت عنها دراسات عديدة ومنها هذه الدراسة التي كتبها الناقد حمدي العطار وتنشرها “المراقب العراقي”.
الشاعر الروائي “زكي الديراوي” قدم لنا سردية بعنوان “ظلال ماري” وكلمة ظل تعني بقاء الأثر رغم مغادرة الأصل، وجاء الاهداء الى الامهات الثلاث وكأنه تمهيد يستخدم في المسرح لبيان أهمية (الأم) في هذه الرواية التي يكون حيزها الزمني البصرة في خمسينيات القرن الماضي، ويمتد هذا الفضاء الى مرحلة الحرب المفروضة بين العراق وايران، وان الشخصية الرئيسة في الرواية هي (فوزي) وهو طفل رضيع في بداية الرواية، فالبطولة في الرواية هي للأمهات الثلاث ولفوزي وهم من أهدى الروائي اليهن روايته (هذه الرواية هدية لأرواح لا تعرف غير المحبة.. لقلوب من محبة.. نساء طينتهن الحب، نساء خلقن من حب) الاهداء الى (ماري أمي الثانية – التي غادرت حياتنا هكذا يكون السرد قريبا ن الشعر عند الديراوي، الى /(أم ملكة مي الثالثة – هذه الأم التي أرضعتني مشاركة مع ابنتها أختي بالرضاعة) والى/ والدتي وأمي الاولى.. كانت أمي وأبي.. معلمتي وصديقتي كانت خيمة حب حزينة.. ودفء وحضن أمان.. بعدك ما عاد الأطفال يتعلمون ويقرأون القرآن) .
في هذه الرواية تمثل الام، مكانة مركزية ويحق لنا ان نتساءل عما إذا لم تكن تمثل الركيزة التي تزود العالم بالتوازن، فبعد ان تلد بهية سلطان ابنها فوزي تصاب بمرض السل وتعزل في جناح الحميات، وتولى السرد بهية لتقول لفوزي “السيدة ماري – السستر- جازفت وتحملت وتكفلت بجميع المسؤوليات، الاعتناء والرعاية والرضاعة والتضحية والسهر للمولود الغريب” ص21 ، وعندما تسافر ماري الى بريطانيا لاشتراكها في دورة للتمريض ينتقل فوزي الى أمه الثانية جيرانهم أم ملكة “لكن مهما كانت قاسية تلك الوحدة والغربة إلا أنها جميلة جدا لأن المولود رضع الحب من ثلاث أمهات.. والام دنيا كاملة.. فكيف إذا كانت ثلاث أمهات؟.
حرص الروائي وبأسلوبه الذكي، ان يجعل الأمكنة مكشوفة للقارئ، وهو يستمد حوادث روايته من واقع معاش يتناول فيه الماضي – زمن الرواية – وينتقل الى الحاضر خارج زمن الرواية 2023 “قالت والدتي: زوجة خالك جاسم، تخلصت من علي وسعاد بإدخالهما إلى دار الأيتام التابعة للكنيسة التي كانت موجودة بجانب مطعم أدم سابقا قرب مجسر أبو شعير الذي أنشئ مقابل روضة الراهبات للأطفال و(روضة القديسة تريزا) تستقبل الأيتام في البصرة دون السؤال عن دياناتهم، وتقوم بتعليمهم وتربيتهم، وتتكفل بجميع احتياجاتهم المعيشية والحياتية حتى يبلغوا سن الرشد ويتكفلوا له إيجاد عمل أو يتم تزويجهم” ص15 وبهذه الطريقة المشوقة يقدم لنا عالم روائي شديد الخصوصية والشخصيات مرسومة بعناية فائقة وهيكل الرواية منسقا “بعد أن وصل حاجم سلطان إلى مركز شرطة العشار القريب الذي يبعد تقريبا مسافة خمسمائة متر عن بيته وبيت ماري. هو نفسه هذا المركز الموجود في مكانه الحالي لليوم والتاريخ عام 2023” ص24.
والديراوي يزج بالوضع السياسي بانسيابية، عندما يأتي حاجم سلطان يفتش عن بيت عبد الوهاب وهو يستخدم سيارة الشرطة والناس لا ترشده الى البيت “كان الناس وقتها تخشى سيارة الشرطة التي لا تقف بمنطقة إلا لإلقاء القبض على من ينتمي للأحزاب المعارضة كالحزب الشيوعي وحزب الدعوة” ص27 أما عندما يصف الواقع الامن الاجتماعي، فهو يقول “كان الباب الخارجي للبيت مفتوحا، جميع ابواب البيوت مشرعة على الآخر. والناس على بساطتها تتبادل الزيارات وتتبادل الطعام من خلال الأبواب المفتوحة على جميع أهل المنطقة والجيران.. حتى يحل ظلام الليل كأن الجميع عائلة واحدة”. ان السرد المشهدي في هذه الرواية يوفر المتعة ويسد الثغرات في النص.



