جناحا الإسلام وعام الحُزن

الشيخ الحسين أحمد كريمو..
بنظرة فاحصة وسريعة للتاريخ الإسلامي، نجد فيه من الشخصيات العظيمة التي قلَّ نظيرها ولها أثرها الملموس والواقعي الذي لا يمكن لأحد أن ينكره مهما بلغ من الجحود والإنكار، وذلك لما قدَّموه للإسلام ديناً ودعوة إلى الحق وللرسول الأكرم كداعية وحامل رسالة من الدعم والتأييد، وما كان له أن يقوم بتأدية وتبليغ رسالته، لولا وجود هؤلاء الذين ضحُّوا بكل شيء في سبيل الله، ولكن بصمت وخفاء دون جلبة أو ضوضاء، ولكن المشكلة بأن الذي كتب تاريخنا، كان من أتباع بني أمية وأزلامهم، والذين يعيشون في قصورهم ويسبَحون في مياههم الآسنة ويسبِّحون بحكمهم الذي قام على الكذب والخداع بعد أن سَبَح بالدِّماء البريئة للمسلمين في صفين بعد الجمل وكل المآسي التي فعلها معاوية بن هند الهنود في سبيل توطيد كرسيه الذي أقامه على الجماجم والأشلاء، وساعده عمرو بن ليلى بالمكر والدَّهاء.
فهؤلاء كتبوا التاريخ الذين حاولوا فيه أن يبيِّضوا في سواد وجوههم وتغطية جرائمهم بحق الإسلام والمسلمين، لاسيما رسوله وأهل بيت الطاهرين، ولما لم يستطيعوا أن ينظِّفوا وجوههم السوداء، لأنهم لو نزلوا وغُسِّلوا بماء البحر لما طهروا، فعمدوا إلى أهل البيت وخاصة أمير المؤمنين الإمام علي (ع) ووالده العظيم أبو طالب وراحوا يشوِّهون تلك الصور الراقية والوجوه النورانية والتاريخ الناصع لهما، فسنُّوا مسبتهما على المنابر لأكثر من ستين سنة على منابر المسلمين بهذه الغاية والهدف كما هم عبَّروا عن ذلك لأبنائهم كما يروون هم أيضاً كعمر بن عبد العزيز الذي رفع المسبة ووضع مكانها الآية الكريمة.
من المعروف، أن أية دعوة إصلاحية، وأية نهضة تغييرية تقوم في المجتمع لا يمكن أن تقوم من دون وجود أُناس يحملونها ويضحُّون في سبيلها بكل غالٍ ونفيس في سبيل نجاحها وهؤلاء يعاضدون المبشر، والمبلغ، والمصلح لأنهم يؤمنون به ويخلصون له النصيحة، وكذلك الأنبياء والرسل لا سيما أصحاب الرسالات العامة والتشريعات الإصلاحية التي تهدف إلى تغيير الفاسد وإقامة مجتمع متقدم ومتطور إيذاناً ببناء حضارة إنسانية راقية، كما فعل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حيث بعثه الله سبحانه برسالته الخاتمة ودينه للإنسانية كلها في مكة المكرمة حيث عبادة الأصنام على أشدها والتخلف والجهل ضارب بأطنابه بينهم، ففي كل الجزيرة لا تجد بعدد أصابع اليدين يجيدون القراءة والكتابة، والعصبية و(العرب يهلكون بالعصبية)، ولكن كان في قريش طغاة بشكل غريب وعجيب وكانوا يتنافسون مع طغاة ثقيف في الطائف، وهو يتيم الأبوين وعاش في كفالة وحماية عمِّه ولذا كانوا يسمونه بيتيم أبي طالب.. فكيف يقبلونه وهو من بني هاشم الأكارم، حيث يتنافسون الشَّرف معهم رجالات وبيوت قريش المختلفة، ولذا قال أبو الجهل عمرو بن هشام المخزومي، ولكن القول أشبه بمنطق أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية، لأن هؤلاء هم المنافسون لبني هاشم: (تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذه! والله لا نسمع به أبداً ولا نصدقه).
وكما هو معروف بأن الطائر لا يطير إلا بجناحين، والحكمة العلوية تقول: (يطير المرء بهمته كما يطير الطائر بجناحيه)، فكيف طار النبي الأكرم في مكة؟ ومَنْ كان جناحاه الذي طار بهما فيها؟.
التاريخ يقول بأنه طار بجناح اسمه أبو طالب (عليه السلام)، وجناح آخر اسمه السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)، الأول عمَّه وكافله ومربيه وحاميه، والثانية حبيبته وأنسه وعرسه التي وهبته نفسها ومالها وجمالها وآمنت به وصدَّقته حتى من قبل البعثة الشريفة ولذا عندما رجع إليها من غار حراء يوم نزل عليه الوحي آمنت به وصلَّت معه بنفس اليوم، وذلك لما رأت به من علامات النبوة وضياء الرسالة وشرف النفس وعلو الهمة وطيب الأصل وكرم المحتد، وصفاء الروح وحسن السيرة والمعاشرة ومكارم الأخلاق والفضائل، فسلَّمت له بكلها سلام الله عليها، ولذا قال عنها الكثير ومدحها طيلة حياته الشريفة حتى نساءه الأخريات على كثرتهن كن يغرن منها وهي في قبرها لشدة حبه لها وإكرامها حتى في صديقاتها وإعظام ذكرها عنده.
أبو طالب مؤمن قريش
وأما الذي تحمل وزر الرسالة كلها في قريش، فكان مؤمنها الأول وعظيمها البطل عبد مناف سيد البطحاء وبيضة البلد من آل عبد مناف، الذي ورث النجابة والقيادة والسماحة والفصاحة من أبيه عبد المطلب شيبة الحمد الذي كانت قريش تسميه (إبراهيم الثاني).
فهو الذي كفل ابن أخيه عبد الله بعد والده العظيم حيث أوصاه به وأخبره بأنه سيكون له شأن وسيسود العرب وسيكون له خبر في تغيير العالم من حوله، وكان علم أبو طالب لا يقل عن علم والده بابن أخيه ولذا قال لزوجته فاطمة بنت أسد يوم رأت من آياته المبهرة حيث كلم النخلة فانحنت إلى عند قدميه فأكل منها حتى شبع ثم عادت إلى ما كانت عليه: (يا فاطمة اصبري سبتاً (30 سنة) فإنك تلدين مثله إلا النبوة)، وفعلاً بعد ثلاثين سنة ولدت ولدها علي بن أبي طالب “عليه السلام” في الكعبة حيث لم يولد لا قبله ولا بعده أحد فيها.
فأبو طالب (ع) كان الجناح القوي الذي اعتمد عليه محمد بن عبد الله إلى أن شبَّ وقوي وكبر وتزوج السيدة خديجة بنت خويلد، ولم يتخلَّ عنه ولا لحظة واحدة لا في سفر ولا حضر، وكذلك عندما بلغ الأربعين وجاءته الرسالة كان الجناح القوي الذي نهض به رسول الله في بداية الدَّعوة حيث واجه أخاه عبد العزى أبو لهب وزوجته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبو سفيان، الذي قال يوم الدار والإنذار للعشيرة الأقربين: (خذوا على يدي صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم، فإن منعتموه قتلتم وإن تركتموه ذللتم).
فقال أبو طالب: (يا عورة، والله لننصرنه، ثم لنعيننه.. يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح) وراح يدافع عن النبي ويحفظه ويحمه من شياطين قريش ويحرسه في الليل والنهار، كما أنه أعطاه جناحين من أبنائه حيث تروي كتب السيرة: (أنه مرَّ أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي عن يمينه (يصلي)، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك، فجاء جعفر فصلى مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلما قضى صلاته، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): (يا جعفر وصلت جناح ابن عمك، إن الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة).



