مفهوم الزهد والاستهلاك في نهج الإمام علي “ع”

مرتضى معاش..
كل منا له آمال في حياته، ومنذ صغره يتربى على هذه الآمال، وبها ينمو ويتقدم في العمر، فبعضٌ يحقق هذه الآمال أو بعضها، وبعضٌ يفشل في ذلك، فلماذا هناك من يحقق الآمال، وهناك من يفشل في تحقيقها، وبعضٌ يتصور أنه قد حقق الآمال التي ترسخت في اعماق ذهنه والتصقت بأفكاره، فعندما يصل إلى المنعطف الأخير من حياته، يكتشف أن هذه الآمال لم تكن حقيقية بل مجردة أوهام؟
لم تكن تلك الآمال التي كان يسعى لتحقيقها أو يستهدفها في حياته حقيقية، فكيف للإنسان أن يحقق آماله ويحولها الى أهداف حقيقية ولا يقع في فخ الآمال الوهمية، الآمال المضلِّلة، الآمال التي تنتشر بين الناس كآمال، ولكنها هي في الواقع مجرد أحلام وأمانٍ يتمنى الناس أن يصلوا إليها وبعضها لا قيمة لها، لأنها مجرد أمانٍ وأحلام مادية محضة ليس فيها أي مضمون يرتبط بالإنسان، وبوجوده، وبحقيقته، كغاية سامية أساسية في الحياة.
الانجذاب الشديد للأمل الكاذب
الآمال الكاذبة: حيث يصل الإنسان بالنتيجة إلى مرحلة معينة، فيكتشف أنها لم تحقق له ذلك الإشباع وذلك الظمأ المخفي في قلبه، ذلك الشعور الذي يُشبعهُ، ويُشبع تعطشه الروحي والنفسي، ويلهِم عقله إلهاما فيرفع عنه الحجب، لكن غرور الدنيا وزبرجها وصخبها، يوقع بالإنسان في فخ الآمال الواهمة.
فالعقل هنا ينحجب كما يقول الإمام علي (عليه السلام)، فالأمل المادي القصير المدى الدنيوي المحض سوف يُسهي العقل ويحجب عنه رؤية الواقع، ويكون غير واعٍ وغير مدرِك لوهم هذا الشيء الذي يقع في تضليله بسبب انجذابه الشديد للأمل الكاذب. وينسيه كذلك العِبَر والتجارب التي مرّ بها الآخرون، مثل أولئك الذين تكون آمالهم سلطوية، فلم يتذكروا ولم يعتبروا من أولئك الذين بحثوا عن السلطة ووصلوا إليها ثم أخفقوا إخفاقا شديدا، لذلك فكذِّبوا هذا الأمل الزائف واذهبوا وراء الأهداف الحقيقية.
كيف نصل إلى الآمال الحقيقية؟
الإمام علي (عليه السلام) وضع لنا قواعد من خلال مفهوم الزهد، نستطيع من خلالها أن نحقق الأهداف الصحيحة والآمال الحقيقية في الحياة التي توصلنا إلى غاياتنا الإنسانية الكبيرة والعظمى، ونحقق وجودنا الأساسي في الحياة عندما نصل إلى المنعطف الأخير من عمرنا.
فكيف نحقق أهدافنا هذه وما هي القواعد التي تتكئ عليها سلوكياتنا في الحياة؟
القاعدة الأولى: الشكر يجعل الآمال حقيقية
خاصة الشكر لله سبحانه وتعالى لأنه لا شكر إذا لم يكن لله سبحانه وتعالى، لصاحب النعمة الذي مَنَّ علينا بالخلق وبالوجود والنِعَم الكبيرة والحرية والتفكير والإدراك والعقل والفهم والإنسانية، وهذه النِعَم الكبيرة التي تحيط بنا.
فالشكر قاعدة أساسية من أجل بناء الزهد وتحقيق الانطلاقة الصحيحة في حياتنا، لأن الشكر يعطيك القدرة على تفهّم النعم الموجودة حولك، فمعظم الناس تكون آمالهم كاذبة وواهمة لأنهم لا يشكرون النعم، ولا يقدرون النعم الموجودة التي حولهم، بل يزدرون ويكفرون بالنعم، فيعتبر أحدهم هذه النعم الموجودة عنده ومنها نعمة الصحة والعافية أمرا عاديّا، فقد تكون أمواله قليلة، ولكن صحته جيدة لذلك هو لا يدرك نعمة الصحة والعافية، ولا يدرك نعمة العقل الموجود عنده، ولا نعمة الكمال الجسماني الذي يتمتع به، بالإضافة إلى نعمة الأولاد والزوجة ونعمة الحياة التي يعيشها.
عن الإمام علي (عليه السلام): (أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وَكُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ) هنا الإنسان الذي يريد أن يدخل في طريق الزهد لابد أن يكون شاكرا للنعم منضبطا تجاه الحرام، ومتورعا عن الوقوع في المحارم ويكون صبورا في الانزلاق لارتكاب الحرام لأنه بالنتيجة يغلب الإنسان في عملية عدم الرضا والقناعة والنِعَم التي لديه.
وعن الإمام علي (عليه السلام): (أشكَر الناس أقنعَهم، وأكفرَهم للنعم أجشعَهم) فالإنسان الذي يكون طماعا جشِعا وميّالا للمال والسلطة فهو كفور بالنعم الموجودة حوله، والإنسان الذي يصل إلى السلطة لابد أن يكون شاكرا ويقدِّر النعم التي عنده، ويساعد الناس ويقف معهم ولا يؤذيهم، فالسلطة هي لخدمة الناس، فلا يجوز أن يكون صاحب السلطة طماعا في الحصول على الأموال، فعندما يرزقه الله سبحانه وتعالى الرزق الوفير لابد أن يقدّر هذه النعمة ويساعد الناس ولا يكون طاغية، ويستفيد من الأموال وحده فقط. بل يخدم الناس والمجتمع من خلال تأسيس وبناء المؤسسات الخيرية ولمساعدة الفقراء، ونشر العلم والمعرفة فيما بين الناس.
القاعدة الثانية: الزهد في الحرام
إن الإنسان الذي يكون شاكرا لله، سوف يكون زاهدا بالحرام، وتطبيق الزهد بمعناه الصحيح يبدأ من الزهد في الحرام، لأن الإنسان غير الزاهد غالبا ما يطمع بالحرام، لأنه يكون منفتحا على الخيارات السيئة كافة عندما لا يكون زاهدا، أما حين يكون شاكرا للنعم فإنه يكون مكتفيا عفيفا قنوعا تجاه الماديات وبالنتيجة يكون زاهدا في الحرام، وعنه (عليه السلام): (وَلَا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ)، لأن الإنسان غير الزاهد، يكون حريصا على الدنيا، مستعجلا في الكسب، وعنده الحرص على المزيد من المكاسب والمكاسب.
وعن الإمام علي (عليه السلام): (الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره) ، وهكذا فإن الشكر هو طريق الحلال وعدم الكفران بالنعمة، أما عدم الزهد في الدنيا فهو طريق الانحراف حين يفقد الإنسان صبره.
وعن الامام محمد الباقر (عليه السلام): (الصبر صبران: صبر على البلاء، حسن جميل، وأفضل الصبرين الورع عن المحارم)، فلابد له أن يكون صبورا شكورا زاهدا في الدنيا، ويسيطر على نفسه ويعيش في نعمة الحلال، وما ألذّها من نعمة.



