الكاتب غسان أبو ستّة.. 43 يوماً في قلب الإبادة الصهيونية لغزة

تُشكِّل تجربة الطبيب الفلسطيني غسّان أبو ستّة (1969)، شهادة تاريخية على جرائم الإبادة الصهيونية في غزّة، حيث وثّق، خلال تنقُّلاته بين مستشفيات القطاع، مشاهد النضال اليومي الذي تُقدِّمه الكوادر الطبّية في وجه آلة القتل الإسرائيلية، منذ الأيام الأولى للعُدوان وحتى مغادرته غزّة في منتصف تشرين الثاني الماضي.
بدأ صاحب كتاب “سردية الجرح الفلسطيني: تحليلٌ للسياسة الحيوية الإسرائيلية” (2020) حديثه بالكلام عن سعي الاحتلال إلى تدمير القطاع الصحّي في غزّة منذ الأيام الأُولى للعُدوان، “كونه أدرك أنّه، وبعد ستّة عشر عاماً من الحصار، لم يستطع الوصول إلى هدفه بكسْر الحياة الفلسطينية”.
لا يُمكن أن نفصل هذا التوجُّه الابادي، كما أضاف أبو ستّة، “عن توجّه المجتمع الإسرائيلي إلى الفاشيّة، وهذا ما نلاحظه عند مؤرِّخ صُهيوني مثل بيني موريس الذي أشار إلى أنّه كان يجب القضاء الكامل على السكّان الأصليّين عام 1948، أسوة بمشاريع الاستيطان الأوروبي السابقة”.
ولفت أبو ستّة في حديثه إلى مجزرة “المستشفى المعمداني”، وقال من شدّة الانفجار سقط السقف علينا، وعندما خرجنا إلى الساحة وجدناها مليئة بالجُثث والأطراف المبتورة، ورحتُ أحاول إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، بينما تعلو أصوات العويل من حولي، وبعدها انتقلنا إلى مستشفى الشفاء الذي بدأ يتلقّى أعداداً هائلة من المُصابين والشُّهداء، وفي نهاية ذلك النهار وصل العدد إلى 483 شهيداً”.
واعتبر أبو ستّة، “أنّ الرسالة الإسرائيلية للمجتمع الدولي من قصف المعمداني كانت واضحة، وهي أنّ عدم الردّ السريع والفوري على هذه الجريمة، سيُعطي الضوء الأخضر لإسرائيل حتى تُتابع إبادتها”.
وقال المتحدّث، إنّ الاحتلال لم يتجنب في قصفه أي قطاع حيوي في غزّة، وبالتالي، “لم يقتصر الدَّمار الشامل على المؤسّسات الصحّية، بل شمل بطبيعة الحال المواقع التاريخية والثقافية”، وأشار أيضاً إلى فظاعات خَطْف الجثامين، وسَلْخِ الجلود التي عمَد الجيش الصهيوني إلى ارتكابها بصورة بربرية، وكذلك صعوبات التعامل مع الأطفال الخُدّج، وتوليد النساء في ظروف لا إنسانية.
ثلاثة وأربعون يوماً قضاها الطبيب في مواجهة الإبادة المفتوحة، ولكنّ آثارها النفسيّة عليه وعلى كلّ الشعب الفلسطيني، بل وعلى القضية بذاتها، ستكون أطول بكثير.



