شبهات في الأساسات..!
(قيم الركاع من ديرة عفج)، هو عنوان قصيدة قيلت قبل أكثر من 80 عاماً؛ تحدثت عن البرلمان العراقي آنذاك، لكنها تنطبق على حال برلماننا اليوم، أيما انطباق وكأنها قيلت فيه.. يقال ان ناظمها هو ملا عبود الكرخي، فيما ينسبها آخرون الى الحاج زاير، وكلاهما شاعر شعبي معروف..
تتحدث القصيدة التي قيل عن إسكافي، طلب الرزق في عفك آنذاك، فعاد مديناّ لتقديره الخاطئ، إذ أنه ذهب الى ذلك الصقع العراقي الفقير جدا، بغية العمل هناك، بعد أن وجد أن عفك ليس فيها إسكافي، وقاده تفكيره الى أنه سـ(يستفرد) بالمهنة وحده، وسيجني رزقاً وفيراً، لكنه تعرّض الى خسارة، وغلق محله وعاد من حيث أتى.
القصيدة لها حكاية خلاصتها: ان عامل أحذية جاء الى قضاء عفك، وفتح له محلا لتصليح الاحذية (والنعل) “تكرمون”، ولكنه خرج من عفك خسرانا .
في الحكاية روايتان: الاولى تقول: أن معظم أهل عفك الفقراء آنذاك، كانوا حفاة، لا يمتلكون مالاً لشراء أحذية، ومن يمتلك حذاءً أو نعالا، كان يتأبطه ولا ينتعله، خشية أن يستهلك ! ولذلك كان الأسكافي يقضي يومه دون ان يأتيه أحد.
الرواية الثانية تقول: أن الذي يأتيه ليصلح حذاءه أو نعاله يقول له: بروح ابوك ما اتدك بسمار اهنا.. وبعد ان يدقه يقول له بارك الله بيك.. مع السلامة! وهكذا كان كل من يأتيه يبدأها بروح ابوك..رحمة لوالديك..فد بسمار..فد خيط أهنا..وشكرا مع السلامة، دون ان يدفع له شيئا.. ولما رأى أن هذا الحال ليست له نهاية؛ هزَّ يده وقال: قيم الركاع من ديرة عفج..فذهب قوله هذا مثلا؛ يضرب على من ينطبق عليه الحال.
أنقل لكم من هذه القصيدة الشائعة أربعة مقاطع فقط، من أصل تسعة مقاطع تمثل جسم القصيدة، ولم يكن أختيارنا عبثيا، بل لنا مقاصد أربعة، ندرجها هيهنا.
المقطع المختار الأول يتحدث عن أخلاق النواب وسيرتهم آنذاك فيقول: “قيم الركاع من ديره عفچ..قيم الركاع من هاي اللحه..اتشوفه هيبه وعنده لحيه امسرحه..يشتم ابلا خجل وبلا مستحه..من ايحس المقعد اشويه اندحچ..قيم الركاع من ديرة عفچ”..
في المقطع الثاني الذي أخترناه، يتناول الفساد المستشري بين صفوف تلك الطبقة، والثراء الذي ظهر عليهم فجأة فيقول”اتشوف واحدهم امعكل بالوقار..وبالاصل تاريخه اسود كله عار..ابضرف ثلث اسنين مليونير صار..ايريد عالوادم ايعبرله چلچ..قيم الركاع من ديرة عفچ”..
المقطع الثالث، والذي يتحدث عن الآمال التي بناها الشعب على النواب، الذين يمثلون الطبقة السياسية، ولكن الآمال خابت، لأن الوعود الكاذبة هي ما حصده الشعب،من نوابه، وكما قال: “والله ضيعنه الصدك من الچذب..اتشوفه هيبه وحچيه المصفط عذب..ياخذك وايردك ابشرق وغرب..وبسچاچينه يدچك حيل دچ..قيم الركاع من ديرة عفچ”.
لكن المقطع الرابع المختار يتحدث عن الحكومة، التي وصفها بأن عنوانها هو الفساد، شأنها شأن وضعنا الراهن بالضبط، تطحنها الخلافات السياسية البينية، لكن الغريب بالأمر أنه يصفها بأنها قد أُتي بها بدبابة وقطار! فيقول: “يا حكومتنه الرشيده ام الوقار..الفساد المالي عنوان الچ صار..ندري جابوكم ابدبابه وقطار..ليش ضليتوا سمچ ياكل سمچ..قيم الركاع من ديرة عفچ”.
كلام قبل السلام: عندما تكون الشبهات حاضرة في اﻻساسات؛ فلا تتوقع خيراً في الهياكل مهما تقدم الزمن بها، مع البذل والسعي والعطاء، والجهد والمال والولد.
سلام…
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



