لماذا تتعاطف شعوب العالم مع القضية الفلسطينية؟

بقلم/ د. ناصر الزيادات..
توثق نظرية هيمنة الشركات، للبروفيسور الأمريكي دومهوف، التغلغل الواضح لرؤوس الأموال في مفاصل صنع القرار فيما يعرف اصطلاحاً بمؤسسات الدولة (Establishment). ويتخذ هـذا التغلغل شكلاً شبه موحد في جميع الدول الغربية الليبرالية. ورغم أنه يتستر تحت غطاء التعددية وإتاحة الفرصة للجميع، إلا أنه نظام يحرم الناس من حرية التفكير خارج إطاره، بل ويحاربهم ويسمهم بمعاداة مؤسسات الدولة (Anti-establishment)، ويشرع القوانين لتقويض أية جهود تسعى للتغيير حتى لو كانت ضمن إطار الديموقراطية وحرية التعبير.
وقد أدت العولمة إلى توسيع نطاق سيطرة هذا النظام لتشمل مناطق كثيرة حول العالم. كما بنى لنفسه أطراً دولية تضمن له دوام السيطرة على الدول والشعوب على حد سواء.
ويواجه هـذا النظام تحديات جمة تتمثل بانكشاف سوءاته على عامة الناس بسبب فقدان الإعلام المساند له (mainstream media) ميزة الهندسة الاجتماعية التي كانت تشكل الوعي الجمعي للشعوب، وظهور وسائل الإعلام البديلة التي توثق بعفوية بالغة معظم أحداث العالم.
صناعة الوهم الجمعي للشعوب
منذ عقود طويلة، يشتمل الإعلام المرئي في بريطانيا وأمريكا وأستراليا على بضع قنوات ضمن باقة فيما يعرف بتلفزيون الكيبل (Cable TV). وتخضع شعوب تلك الدول لهندسة اجتماعية ممنهجة تفضي إلى صناعة الوعي الجمعي بما يتوافق مع ما تريده مراكز النفوذ في تلك الدول. وفي حالة وجود اختلافات بين تلك القنوات المتلفزة فإنها ستكون اختلافات بسيطة حول سياسات داخلية، أما فيما يتعلق بالسياسات الخارجية، فهناك شبه إجماع فيما بين تلك القنوات.
وترافق السيطرة على الإعلام السيطرة على مؤسسات صنع السياسات والمستودعات الفكرية وجماعات الضغط والسياسيين. ورغم وجود اختلافات بين الأحزاب السياسية الحاكمة، إلا أنها اختلافات حول سياسات داخلية بالمجمل، في حين أن السياسات الخارجية لتلك الدول تبقى ثابتة لا خلاف عليها.
لا حرية.. ولا عدالة اجتماعية
لقد أدى النظام الليبرالي إلى تعاظم الفجوة بين الفقر والغنى، واستيلاء أصحاب رؤوس الأموال على مقدرات الدولة الاقتصادية من خلال الخصخصة. ففي أمريكا، على سبيل المثال، يملك 1 بالمائة من الناس ما يقرب من 40 بالمائة من الثروة الخاصة في البلاد. ويملك ما يقرب من 19 بالمائة من الأمريكيين ما يقرب من 50 بالمائة من الثروات. وهـا يعني أن 20 بالمائة من الأمريكيين يملكون ما يقرب من 90 بالمائة من الثروات.
وفي المقابل، ترزح الغالبية الأمريكية تحت وطأة الديون العقارية والاستهلاكية، وتنتشر ملاجئ المشردين وبنوك الطعام على نطاق واسع في دولة لطالما روجت لنفسها على أنها راعية لقيم العدالة والحرية. كما يدفع المواطن المتوسط ضرائب أعلى نسبة إلى دخله مما يدفعه الأثرياء وشركاتهم.
وينطبق النموذج الأمريكي بشكل أو بآخر على دول أوربية ليبرالية حذت حذوها مع تفاوت بسيط في مستوى الرفاه الاجتماعي الذي تقدمه الدول لشعوبها.
الحرية والعدالة.. قواسم مشتركة بين الشوارع الغربية والقضية الفلسطينية
في أول أسبوعين بعد السابع من أكتوبر، كان عدد المتظاهرين من غير العرب والمسلمين لا يتجاوز 20٪ بشكل تقريبي. وبعد ذلك، أصبح عدد المسلمين والعرب لا يشكل إلا أقلية من حجم التظاهرات الضخمة التي تخرج في معظم عواصم العالم. ومما يلفت الانتباه أن أكثر الشعارات ترديداً من قبل المتظاهرين هي التي تتعلق بالحرية والعدالة من قبيل “فلسطين حرة” و”غزة حرة” و”وفلسطين حرة من النهر إلى البحر” و”نتنياهو لا يمكنك الاختباء، سنحاسبك على جرائم التطهير العرقي” و”إسرائيل وأمريكا كم طفل قتلتم اليوم؟“.
كيف نبني على ذلك؟
لا شك أننا نمر في مرحلة تاريخية يتجه فيها العالم إلى أقطاب متعددة، وتتهالك فيها الليبرالية الغربية لتفقد بريقها بسبب الاستيلاء عليها من قبل الطغمة التي تسعى للتحكم الدائم في مقدرات الشعوب. وتفرض علينا هذه المرحلة أن نستغلها ليكون لنا وجود مستقل على الساحة مستفيدين من مخزوننا الديني والثقافي الداعي للحرية والعدالة والتي تنشدها شعوب العالم الغربي بشكل متزايد.
نحن أمام مرحلة مخاض لولادة عالم جديد، فإن لم نكن موجودين فيه فعلينا الانتظار لقرن أو قرنين آخرين حتى تستيقظ أمتنا من سباتها.



