الأبنية الطينية في جنوب الجزائر … عمارة تراثية صديقة للبيئة

منذ القدم، تفاعل الإنسان بتوافق مع البيئة الطبيعية المحيطة به، فاستخدم مواهبه في إيجاد تقنيات لتأمين حاجاته سواء من الغذاء أم المسكن، فكانت مبتكراته في الإنتاج طبيعية، ونفذت بنفس المواد التي قدمتها البيئة له. من حيث المسكن، يعَدُّ الطين من أقدم مواد البناء التي عرفها الإنسان منذ ما يقارب عشرة آلاف سنة، فالطبيعة أوحت له باستخدام هذه المادة والتي بني بها برج بابل في القرن السابع قبل الميلاد، كأول “ناطحة سحاب” عرفها التاريخ، وكذلك انتشر البناء بالطين وبتناغم مع البيئة في حضارات بلاد الرافدين ومصر، والحضارة العربية والإسلامية، وفي الهند والمكسيك وحضارات عدة في إفريقيا.
تاريخ العمارة الطينية
انبثقت الفكرة الأساسية لمفهوم المدن، من المنطقة العربية التي انصهرت بتقنية وفن البناء بالطين، حيث اعتمد السكان المحليون فيها وعلى مرِّ العصور على البناء بالطين، من خلال تقنيات بسيطة ومتنوعة، وخبرات ومهارات متوارثة عبر الأجيال، وكانت هذه البساطة مرتبطة بالذوق والانسجام الجمالي، كما كانت مقرونة بعلم واسع بالفطرة والتجربة بهندسة البناء، فهم يعرفون تمام المعرفة أنها كانت تراعي المحددات البيئية كالمناخ ونوعية التربة والمواد المتوفرة، فالبيئة العربية ذات مناخ جاف محمَل بالأتربة، ولذلك يجب مراعاة هذه الحقيقة عند تصميم البناء، حيث ما تزال البلاد العربية تحتفظ بشواهد رائعة عدة لأولى المدن التاريخية التي بنيت كاملة بالطين، كمدينة صعدة في اليمن ومدينة أدرار في الجزائر ومدينة مراكش في المغرب ومدينة غدامس في ليبيا ومدينة حلب في سوريا ومدينة أريحا في فلسطين، بالإضافة إلى بعض المدن السعودية كحائل والرياض، ونلاحظ أيضاً استمرار العمارة الطينية في اليمن والتي تميزت عماراتها بالارتفاعات لطوابق عدة.
الطين صديق للبيئة
يعدّ الطين مادة طبيعية متوازنة بيئيا، توفر مناخا داخليا صحيّا، والبناء به يساعد على الحد من استنزاف الموارد الطبيعية، فضلا عن توفير الطاقة المستهلكة في التبريد والتدفئة، وذلك لتميّزه بالقدرة على تخزين الحرارة والبرودة، ومن المعروف برودة المباني الطينية في الصيف والدافئة شتاء، هذا ما أثبتته العديد من الدراسات الحديثة، كما أن استخدامه يحد من التلوث وإنتاج النفايات في جميع مراحل التصنيع. إن وفرة الطين في غالب مواقع التنفيذ يسهل عملية تحضيره التي تتم من خلال استخدام آلات وأدوات بسيطة في التشكيل، والطاقة الشمسية في التجفيف، فهي مادة رخيصة الثمن وتستطيع أن تقدم إنتاجاً مباشراً وسريعاً، كما ويمكن بإضافة مواد رابطة وبنسب مدروسة، الوصول إلى تحقيق المتانة والعزل اللازمين في البناء. يتم خلط عجين التراب مع التبن ووضعه في قالب يعطيه شكل اللُّبن، ويسمّى “الملبن”، وهو أربع قطع من الخشب على شكل مستطيل مفتوح من الأعلى والأسفل، ثم يوضع الطين المخلوط بالتبن في داخله، وبعده يرفع القالب الخشبي ليأخذ الطين الموضوع شكلا ومقاسا، ومؤخرا تم تطوير هذا القالب إلى آخر حديدي يجعل الطين والتبن في شكل مستطيل يسهل البناء به.




