أم بركة.. حاضنة النبي ومربيته

“يا بركة، لا تغفلي عن ابني محمد..” بقيت هذه الوصية في ذهنها ولم تفارقها لحظة واحدة منذ أن مات عبد المطلب وهو يوصيها بمحمد، فعزمت على رعايته وخدمته، وفاءً لسيدها عبد المطلب، وحباً برسول الله، وأبيه عبد الله، وأمه آمنة بنت وهب.
فاحتضنته بعد وفاة أمه، فكانت له بمثابة الأم، ولازمته في السراء والضراء، وفدته بنفسها، ودافعت عنه، وضحت بولدها في سبيل الله، حتى اختاره الله لجواره وقد بشرها رسول الله بالجنة.
ورثها النبي من أبيه وأمه، فكانت تحنو عليه وتجهد نفسها على خدمته، وقد حملته من المدينة إلى مكة، بعد أن ماتت أمه في الأبواء، ولازمته طوال حياته.
إنها أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن الحبشية، حاضنة النبي محمد ومربيته، فكان (ص) يقول: أم أيمن، أمي بعد أمي ويقول: إنها بقية أهل بيتي وكان يزورها في بيتها.
أعتقها النبي عندما تزوج السيدة خديجة بنت خويلد، لكنها بقيت ملازمة له وأبت فراقه، وعندما بعث بالنبوة وصدع بالدعوة الشريفة كانت أم أيمن من أوائل المسلمات بعد خديجة، وهاجرت أم أمين إلى الحبشة وقد زوّجها النبي من عبيد بن الحارث الخزرجي بمكة، فولدت له أيمن الذي استشهد يوم حُنين، ولما مات زوجها، قال رسول الله: “من سرّه أن يتزوج امرأة من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن، فتزوجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة، ثم هاجرت أم أيمن إلى المدينة”.
كانت أم أيمن، صلبة الإيمان، ثابتة العقيدة، دافعت عن الإسلام بكل ما تملك، ولم تدخر شيئاً في سبيل الدعوة، فقدمت ولدها وفلذة كبدها شهيداً بين يدي رسول الله في حنين.
في ذلك اليوم الذي زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر كما يعبر عنه القرآن الكريم لهول المعركة، وشدة اشتباك الفريقين، ثبت أيمن بن عبيد ــ ابن أم أيمن ــ مع رسول الله وهو من ضمن عشرة أشخاص كلهم من بني هاشم حتى مضى شهيداً في سبيل الله، عليه رضوان الله، فشهد الله له بالإيمان ووصفه مع من بقيَ مع النبي وعلى رأسهم أمير المؤمنين، بالمؤمنين في قوله عز وجل: “ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين”.
والذين وصفهم الله تعالى بالمؤمنين هم من ثبتوا مع النبي وكانوا عشرة رجال فقط، وانهزم الباقون، كانوا تسعة من بني هاشم، وأيمن ابن أم أيمن والذي يعد منهم لأن أمه هي مملوكة لرسول الله والذين ثبتوا في ذلك اليوم هم:
علي بن أبي طالب وكان يضرب بين يدي رسول الله بالسيف حتى قتل أربعين رجلاً.
والعباس بن عبد المطلب عن يمينه وهو ممسك بلجام البغلة.
والفضل بن العباس عن يساره.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ممسك بسرجه عند بغلته.
ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
وربيعة بن الحارث.
وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب.
وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله.
وأيمن بن أم أيمن.
وكانت أم أيمن حاضرة في تلك المعركة فزادتها شهادة ولدها صبراً ويقينا، كما حضرت مع رسول في حروبه، فخرجت يوم أحد، وهي تسقي المسلمين الماء، وتداوي الجرحى، ولما فرَّ بعض المسلمين من المعركة بعد أن خالفوا أوامر النبي، كانت تحثو بوجوههم التراب، وتقول لهم: ها كم المغزل وهاتوا السيوف.
وقد حضرت أيضاً في معركتي خيبر وحنين ولها مواقف مشرفة في الدفاع عن الإسلام ونصرة رسول الله، وقد روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال في أم أيمن: أشهد أنها من أهل الجنة.
ويمتد العمر بأم أيمن لتشهد موت رسول الله، فكان حزنها شديداً عليه، فالدمعة لا تفارق عينيها والحسرة واللوعة تمتزجان في صدرها فرثته رثاء المحزون الملتاع الذي فقد أعز إنسان على قلبه.
وقد كانت كثيرة البكاء عليه (ص) فقيل لها أتبكين؟ قالت والله لقد علمت أنه سيموت ولكنني إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عنا من السماء.
لقد أخلصت أم أيمن في ولائها لرسول الله في حياته وبعد مماته فلازمت الحق واتبعته والتزمت بوصية رسول الله في التمسك بالثقلين القرآن والعترة، فنصرت سيدة نساء العالمين بنت المصطفى، وشهدت لها على فدك، وإن رسول الله قد وهبها لها أمام أبي بكر.
فعندما أتت فاطمة إلى مسجد النبي، وقالت لأبي بكر: إن رسول الله أعطاني فدكا، قال لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت بعلي فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن، فقالت: ألستما تشهدان ــ تعني أبا بكر وعمر ــ أني من أهل الجنة، قالا: بلى. قالت: فأنا أشهد أن رسول الله أعطاها فدك. فقال أبو بكر: فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية.
وفي رواية أخرى، أن الصديقة الزهراء جاءت بأُم أيمن تشهد لها، فقال لها أبو بكر: يا أُم أيمن هل إنك سمعت من رسول الله شيئاً بخصوص فاطمة؟ فقالت: سمعت رسول الله يقول:
إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ثم قالت: وهل يصح أن تدَّعي سيدة نساء أهل الجنة ما ليس لها؟!، وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهدَ بما لم أكن أسمع من رسول الله، فقال لها عمر – وكان في المجلس: أنتِ امرأة، ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، فقامت أم أيمن غاضبةً، وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة محمد نبيك حقها، فأشدد وطأتك عليهما.
وجاء في خبر استشهاد الزهراء، أنها لما مرضت، دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس وعلياً وقد حضرت وفاة فاطمة الزهراء “عليها السلام”.
وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاتها، فقيل بعد وفاة الرسول بخمسة أشهر، وقيل في زمن عمر، وقيل في زمن عثمان، ولكنهم اتفقوا على أن قبرها في البقيع.



