تنظيم داعش الإرهابي وإستراتيجيته في إحراق الأراضي الزراعية
مركز البيان للدراسات والتخطيط
منذ لحظة دخول مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي في مدينة الموصل وتغلغلهم في المناطق ذات الأغلبية الكردية في صيف عام 2014 ، اعتبر سكان قضاء الدبس غاباتهم المفضلة على أنها نقمة أكثر منها نعمة، وكانت غاباتها فيما مضى من المناطق الجاذبة للسياح، أما الآن فيستغل مقاتلو تنظيم داعش الإرهابي كثافة الأشجار لشن الهجمات على القضاء، ويخشى قادة البيشمركة من أن يكرر خصومهم ما قاموا به في المناطق الأخرى من إحراق الأشجار ليخفي الدخان مواقعهم مما يجعل الهجمات الجوية عديمة الفائدة. وكانت الثلاثة عشر عاماً من الأعمال العدائية شبه المتواصلة في العراق قاسية على الطبيعة، إذ هُمشت محافظتا نينوى وكركوك الزراعيتان وقد حوصرتا في الفوضى التي خلفها الغزو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003. وعودة إلى الثمانينيات ، عندما قام المقبور صدام بإجبار المزارعين بالانضمام إلى الجيش العراقي لمحاربة إيران، ولم يكن أمام مالكي الأراضي خيار سوى التكيف مع تقلبات الحرب. تَركَ سكان قرية قريبة من كركوك منازلهم عندما أًصبح تنظيم داعش الإرهابي على مقربة من مدينة الموصل. ومع تراجع التنظيم ، عاد معظم السكان إلى قريتهم محاولين إعادة بناء حياتهم من جديد وبالنسبة للمزارعين الذين لا يزالون يعانون من مشاكل الماضي، فإن الأحداث الأخيرة للصراع المتكرر قد تركتهم في بؤس أعمق – وربما كان ذلك صوت ناقوس الخطر الذي يعلن موت الزراعة في أجزاء واسعة من البلاد. وتم اعتبار ما لا يقل عن مليون فدان من الأراضي الرئيسة الصالحة للزراعة بأنها غير صالحة للزراعة بسبب تخلص تنظيم داعش الإرهابي من نفاياته في المساحات الواسعة من الأراضي العراقية، وقد سرق التنظيم المعدات اللازمة لتجديد عمليات الزراعة من المزارعين بشكل منظم، وفي تطور غير متوقع للأحداث العسكرية، شاهد العديد من العراقيين عملية تدمير أراضيهم بشكل متعمد من قبل التنظيم الإرهابي عند تراجعه. وقال شيخ ايزيدي يدعى فهد حمد عمر: “لقد شاهدنا الكثير من الفوضى في الماضي بحكم عيشنا في هذه المنطقة”، نزَح الشيخ فهد حمد من مزرعته عند سفح جبل سنجار ليذهب إلى مخيم للاجئين على قمة الجبل حينما قام تنظيم داعش الإرهابي بإبادة جماعية للطائفة العرقية الدينية القديمة في آب عام 2014. أضاف الشيخ قائلاً: “لم يحدث سابقاً أن يحرق أحد حقولنا بشكل متعمد، ولم يحاول أحد أن يدمر سبل عيشنا بشكل كامل ، لم نواجه أبداً حيوانات كهؤلاء”. وأدت الأحداث إلى إرباك مسؤولي الزراعة العراقية، ولم يتمكنوا حتى الآن من تقييم كامل للأضرار، ويعود ذلك جزئياً بسبب سيطرة التنظيم الإرهابي على الكثير من الأراضي في البلاد، وقد أدت أعمال التنظيم الإرهابي إلى تحويل 450 ألف فدان من الأراضي الزراعية في أقضية ونواحي شمال نينوى إلى أراض بور، ومعظم تلك الأراضي تقع في منطقة ايزيدية شمال جبل سنجار وعلى طول الحدود السورية. ووفقا لرئيس بلدية المدينة، تم تدمير 145 بيت زجاجي في المنطقة وسرقت المولدات والمحولات الخاصة بالبيوت الزجاجية إلى الموصل أو الرقة، كان الأشد ضرراً هو تحطيم مضخات المياه التي تقوم بري المناطق الزراعية من مياه الأبار الإرتوازية، أدى قطع المياه إلى جفاف محاصيل القمح والشعير التي تشتهر بها تلك المناطق والتي تعتمد بشكل كامل على مياه الأبار. وفقاً لإحدى المنظمات غير الحكومية، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها لكي لا تلفت الانتباه إلى وجودها في المنطقة، تعد مشكلة الألغام الأرضية في سنجار مشكلة كبيرة، وقد يستغرق عقوداً من الزمن لجعل المنطقة آمنة من جديد، وفي الوقت نفسه، هناك بعض المباني الخاصة لحفظ البذور سليمة والتي تقع في مناطق احتلها التنظيم الإرهابي في مرحلة ما خلال الحرب – وفضل التنظيم الإبقاء عليها لاستعمالها كأبراج مراقبة أثناء القتال. يبدو أن مستوى الدمار يرتبط بهوية الشعب الذي استولى مقاتلو تنظيم داعش الإرهابي على أراضيه، فبالنسبة لبعض المزارعين العرب من منطقة الجميرة وهي إحدى مناطق محافظة كركوك، فإن أولى مواجهاتهم مع حكام التنظيم الإرهابي الجدد في المنطقة قد أظهر بعض الأمل، وقال نازح من سكان القرية الذي طلب حجب اسمه، إن الإداريين في التنظيم الإرهابي قد منحوا حصصا أكبر من الوقود لأصحاب الحقول الصغيرة لنقل بضائعهم إلى الأسواق، وأضاف قائلاً: «يبدو إن الخلافة بحاجة لأن يقوم الناس بالحصاد»، بعدما قام الأكراد والجيش العراقي بإعادة تنظيم صفوفهم واشتداد القتال مع التنظيم الإرهابي، شاهد المزارعون العرب قوة تدمير تنظيم داعش الإرهابي الوحشي بقطع خطوط الكهرباء وتفخيخ المباني الزراعية كلما تراجع مقاتلو التنظيم من الأراضي التي استولوا عليها. أدت العديد من هذه المتفجرات إلى عرقلة النازحين الذين حاولوا الحصول على ملاجئ أثناء هروبهم من مناطق سيطرة التنظيم الإرهابي. خوفاً من الكمائن وحرصاً على إزالة العقبات التي منعت عمل نقاط التفتيش الخاصة بالتنظيم الإرهابي، قام مقاتلو التنظيم الإرهابي بإزالة عشرات البساتين، بما في ذلك مزارع الرمان التي تشتهر بها مدينة شهربان، وقال راشد محمد سويدي، وهو مزارع يقع منزله في قرية الدريس الخزان على الطريق الذي يربط بين مدينتي كركوك والحويجة الذي دُمر منزله أثناء القتال: نعتقد بأنهم غاضبون لأننا لم ندعمهم، ولذلك قرروا أن يجعلوا الحياة صعبة علينا قدر الإمكان. وتسبب التدمير الذي حصل في الأراضي الخصبة الواسعة شمال بغداد إلى صدمة السكان المحليين وإدراكهم لتداعيات الأعمال التخريبية لتنظيم داعش الإرهابي، إذ ارتفعت أسعار الفواكه والخضراوات في ظل غياب الإنتاج المحلي. أما بالنسبة للحكومة العراقية، فإن فقدان الكثير من زراعته المحلية وتدمير الاقتصاد الريفي الشمالي لم يكن ليأتي في وقت أسوأ من ذلك، وانهيار أسعار النفط قد خفض الإيرادات وأدى إلى عجز الميزانية لتصل إلى 20 مليار دولار على الأقل.



