اراء

“فلسطين من النهر إلى البحر”.. شعار يشعل جدلا واسعا في دول الغرب

بقلم: محمد مصطفى حابس..

يُتداول هذه الأيام في المسيرات والتظاهرات في جل الدول الغربية شعار قديم متجدد إنه شعار “فلسطين من النهر إلى البحر” الذي أصبح يتردد بشكل كبير فى الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين فى الولايات المتحدة و أوروبا بلغات عديدة، بحيث صارت لافتاته ملازمة للعديد من أنصار القضية الفلسطينية حتى لدى غير العرب والمسلمين، خاصة أنه حتى من ناحية الغنة صار ملائما للغات الغربية كقولهم بالانجليزية أو الفرنسية:

«From the river to the sea, Palestine will be free.» ou en français : «De la rivière à la mer, la Palestine sera libre.»

 ناهيك عن معناه السياسي والاستراتيجي ومحتواه التاريخي، طبعا هذا التداول لم يمر مرور الكرام، بل صار متبوعا بتساؤلات الدول والأجهزة الأمنية من الدول الداعمة لإسرائيل، خاصة أمريكا حيث كانت محور انتقادات لنائب الكونجرس الأمريكي السيدة رشيدة طليب، من أصل فلسطيني، بسبب تصريحاتها المعارضة لإسرائيل وحربها على غزة ودفاعها عن الشعار المؤيد لفلسطين “من النهر إلى البحر” والذى رأوا أنه غير مقبول.

وهذا “التوبيخ” الرسمي من جانب الكونجرس لطليب النائبة الوحيدة من أصل فلسطيني في الكونجرس، إن العبارة “معترف بها على نطاق واسع كدعوة إبادة لاستخدام العنف لتدمير دولة إسرائيل”، بينما تنصلت المتحدثة باسم البيت الأبيض منه، وقالت “إنه مثير للانقسام، وأن الكثيرين يعتبرونه مؤلما ومعاديا للسامية”.

ودافعت السيدة طليب عن العبارة باعتبارها ”دعوة طموحة للحرية وحقوق الإنسان والتعايش السلمى”، وقد أصبحت العبارة نقطة خلاف في واشنطن، وتردد صدى ذلك حتى في حرم الجامعات والمدن في جميع أنحاء أمريكا وأوروبا، حيث احتج الناشطون المؤيدون للفلسطينيين على الخسائر المدنية الفادحة لحرب إسرائيل على غزة.

الشعار أثار اتهامات بمعاداة السامية في نظر إسرائيل !!

وقال نواب أمريكان “إن الشعار أثار اتهامات بمعاداة السامية وأشعل جدلا مريرا بشكل متزايد حول الصراع وجذوره والكيفية التي ينبغي أن يتم بها، وما الموقف الذى يتعين على الولايات المتحدة أن تتخذه..”

كما تعرضت -حسب الصحافة الفرنسية- الناشطة ريما حسن لانتقادات مماثلة بسبب استخدامها، ”الدعوة إلى تدمير دولة إسرائيل، والمطالبة بدولة يعيش فيها الفلسطينيون أحراراً“، وهي عودة إلى هذه الصيغة التي كثيراً ما استخدمت منذ بداية الحرب، علما أن عبارة “من النهر إلى البحر” تعود إلى فجر الحركة القومية الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، قبل ربع قرن من ظهور حركة حماس، واكتسبت شعبية داخل منظمة التحرير الفلسطينية كدعوة للعودة إلى حدود فلسطين التاريخية قبل إنشاء إسرائيل عام 1948.

وبالنسبة لكثير من الفلسطينيين، فإن العبارة تحمل الآن معنى مزدوجا فهي تمثل رغبتهم في العودة إلى البلدات والقرى التي تم طرد عائلاتهم منها عام 1948 وأيضا أملهم في إنشاء دولة مستقلة تمتد من الضفة الغربية المتاخمة لنهر الأردن حتى قطاع غزة المعانق لساحل البحر المتوسط.

وبالتالي فإنه في الأصل وتاريخيا ولد الشعار من مطالب منظمة التحرير الفلسطينية التي دعت منذ تأسيسها عام 1964 إلى إنشاء دولة واحدة تمتد من البحر الأبيض المتوسط (البحر) إلى نهر الأردن (النهر)، النهر الذي يمثل الحدود الشرقية بين الأردن وفلسطين -و أيضًا جزئيًا بين الأردن والضفة الغربية، يعني عموما المنطقة الجغرافية التي تشمل أراضي فلسطين كما كانت قبل قرار الأمم المتحدة عام 1947، وتقسيمها إلى دولتين (واحدة عربية والأخرى يهودية). وذلك طبعا قبل التأسيس الرسمي لدولة إسرائيل في مايو 1948 واندلاع الحرب على الدول العربية المجاورة. وقد صاحب الصراع نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين.

كما أن هذا الشعار المثير للجدل تم رفعه أيضًا على الجانب الإسرائيلي من قبل حزب الليكود (الحزب الذي يرأسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو) الذي تحدث دائمًا لصالح مفهوم “أرض إسرائيل أو أرض الميعاد”، أو “الحق الذي يمنحه الكتاب المقدس لإسرائيل وللشعب اليهودي في أرض إسرائيل”، معتمدين على البيان الأولي للتحالف السياسي، الذي ولد في السبعينيات، على أنه “بين البحر والأردن، لن تكون هناك سوى السيادة الإسرائيلية”.

حماس ترفض أي بديل عن التحرير الكامل لفلسطين “من النهر إلى البحر”

 معلوم أنه عندما تخلت منظمة التحرير الفلسطينية عن الكفاح المسلح نهاية الثمانينيات، وخاصة عندما وقعت إسرائيل والفلسطينيون اتفاقيات أوسلو للسلام في عام 1993، تم تبني هذا الشعار من قبل منظمة أخرى كانت قد أنشئت للتو، هي ”حماس”، الحركة الإسلامية التي تبنت ذات الشعار في أديباتها، منها، أن « حماس ترفض أي بديل عن تحرير فلسطين الكامل، من النهر إلى البحر»، يمكن أن نقرأ في «المبادئ العامة والسياسية» التي قدمتها المنظمة عام 2017، والتي تعتبر مكملة للميثاق الأصلي، وتضيف الوثيقة: “ لا يجوز التنازل عن أي جزء من أرض فلسطين”.

وأن استعادة حماس للشعار ساهم إلى حد كبير في تفسيره على أنه يعبر عن الرغبة في القضاء على إسرائيل. وذلك لدرجة أن تدمير الدولة اليهودية يظهر في ميثاق حماس، الذي لا يخفي أنه لا يزال هدفها -حسب نواب من الدولة العبرية -.

ذلك ما ذهب اليه النائب الإسرائيلي يائير لابيد، أحد زعماء المعارضة، شارحا المعنى الحقيقي لهذه الصيغة. وعلق لابيد قائلا: “استمعوا إلى زعماء حماس يتحدثون، استمعوا إلى كلماتهم. وهذا ما تعنيه عبارة “من النهر إلى البحر”: الإبادة الكاملة لإسرائيل، ومذبحة جميع الإسرائيليين مرادف للديمقراطية..”.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى