اراء

المشهد المعقّد أمام مخططات القضاء على غزة

بقلم/ أيمن الرفاتي..

على مدار أسبوعين، تواصلت الاتصالات والوفود الأمريكية رفيعة المستوى التي تصل إلى “دولة” الاحتلال، وآخرها الرئيس الأمريكي جو بايدن، لعلهم يصلون إلى حل للمعضلة التي أوجدتها المقاومة الفلسطينية في “طوفان الأقصى”، وسط عجز عن اتحاذ خيار، نظراً إلى أن كل الخيارات إما سيئة وإما سيئة جداً، فخيار الحصار والإبادة سيئ ولن يصمد كثيراً، أما خيار الحرب البرية، فثمنه كبير جداً وغير محتمل، فيما خيار التهجير يلقى رفضاً عربياً مسنوداً بضغط شعبي يهدد قادة الدول العربية.

الورطة الكبيرة التي تشعر بها “دولة” الاحتلال، ومن خلفها الولايات المتحدة، كبيرة ومركّبة، إذ إن هذه الحرب جاءت بشكل ووقت غير متوقع في ظل ترتيب أولويات تصر عليه الولايات المتحدة، بدايةً من مواجهة الصين والحرب الروسية الأوكرانية وصولاً إلى ترتيب علاقات “إسرائيل” بالدول العربية عبر مشروع التطبيع الكبير والانفتاح الاقتصادي.

بشكل أولي، طرحت الولايات المتحدة، ومعها “إسرائيل”، عدداً من المخططات لحل مشكلة قطاع غزة بشكل كامل، بعدما خرج عن الخط الليبرالي للهيمنة الأمريكية القائم على أساس “الهدوء في مقابل التحسينات الاقتصادية”، وبات الأمريكيون والإسرائيليون يطرحون خططا عدة تقوم على أساس الاجتياح البري لقطاع غزة أو الحصار المطبق والمجاعة الإنسانية ومخطط التهجير.

كل الخيارات درسها الطرفان خلال الأيام الماضية بشكل مكثف، لكنهم وجدوا أن لا خيار عملياً سوى ذلك الذي توجههم إليه المقاومة الفلسطينية بإنهاء الحرب والتفاوض حول الأسرى ومختلف الملفات الأخرى، بما في ذلك الحصار والقضايا الوطنية الفلسطينية.

مخطط الحرب البرية كان جاهزاً على الورق لدى قيادة “الجيش” الإسرائيلي قبل الحرب. وقد أعلن نتنياهو أنه سيطبقه خلال 24 -48 ساعة من بداية الحرب، لكنه تراجع خشية انكسار جديد لـ”الجيش” نتيجة الخطة الدفاعية المحكمة لفصائل المقاومة في قطاع غزة والثمن الباهظ الذي ستدفعه “دولة” الاحتلال وعدم وجود بديل من حركة حماس والمدة الزمنية الكبيرة التي سيحتاجها “الجيش”، ناهيك عن الخوف من محور المقاومة الذي يقف في ظهر المقاومة الفلسطينية من دون مواربة أو تردد في التدخل.

من ناحية ثانية، يشكل ملف الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية، وعددهم ما بين 200- 250، حسبما تحدث أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام، ووجودهم داخل قطاع غزة، “سواءً قبل الاحتلال أم لم يقبل”، عاملاً حاسماً في تنفيذ أي مخطط تجاه قطاع غزة، فسقوط قتلى منهم يوماً بعد يوم يمثل ضغطاً داخلياً كبيراً على حكومة الطوارئ بقيادة نتنياهو، إضافة إلى أن وجود محتجزين من جنسيات أخرى ورغبة المقاومة في الإفراج عنهم يمثل، دافعاً لتلك الدول للضغط على “إسرائيل” لوقف الحرب وعدم الذهاب إلى الحرب البرية، كي لا تكون سبباً في قتلهم.

من ناحية أخرى، يقف الموقف العربي حاجز صدّ أمام المخطط الأمريكي لتهجير سكان قطاع غزة، فكل الدول العربية رفضت ما يطرحه الأمريكيون بتهجير قرابة مليون و200 ألف فلسطيني من القطاع إليهم وتوطينهم فيه، لأنهم يدركون جيداً أن هؤلاء الفلسطينيين الغزيين لو ذهبوا إلى الصين، فلن يستطيع أحد السيطرة عليهم، وقد يكونون عامل ثورة داخلية في هذه الدول.

هناك خيار آخر نصح به اللواء احتياط إسحاق بريك رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، يتمثل باستمرار القصف الجوي لقطاع غزة بشكل مكثف وعدم الدخول برياً بشكل قطعي وفرض حصار خانق على السكان يؤدي إلى انفضاضهم عن حماس والمقاومة، لكن هذا الخيار العاجز لن يصمد لمدة طويلة في ظل تصدّع الرواية الإسرائيلية وتراجع التأييد لجرائم الاحتلال وصور الجرائم الإسرائيلية التي بدأت تملأ الصحافة في دول العالم، والضغط الشعبي الذي تزداد ويتفاعل بشكل يومي في كثير من دول العالم، وخصوصاً بعد المجزرة المروعة في المستشفى الأهلي المعمداني.

في النهاية، لا خيار أمام الاحتلال بعدما أوغل في الدماء الفلسطينية وقتل الآلاف ودمر البنى التحتية والمباني داخل قطاع غزة، إلا أن يعترف بعجزه ويوقف الحرب ويقدم صورة الدماء الفلسطينية والدمار الشامل في غزة، قرباناً للجمهور الإسرائيلي، لعله يفيق من صدمته ويدرك أن أية خطوة قد تحمل هزيمة جديدة، سواءً عبر حرب برية مع غزة أو حرب إقليمية مدمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى