فيلم «الأستاذ» .. المقاومة بوصفها احترافاً

سليم البيك..
في فيلمها الطويل الأول، «الأستاذ» حملت فرح نابلسي أهمّ قيمتين في فيلمها القصير، إنسانية الحالة الفلسطينية والقدرة على التحقيق بتحدٍّ للشروط الواقعية للاحتلال. عنصران جعلا من الفيلم إضافةً نوعية لمسيرة السينما الفلسطينية، لسببٍ رفعَهما وهو الشغل البصري الممتع في نقل سرديةٍ مكتوبة بعناية.
أبقى الفيلمُ القصة الفلسطينية في سياقها المحلي المسيطِر على عموم هذه السينما، لكن بانزياحٍ عن المتكرّر ضمن هذا السياق، فلم تُبنَ القصة على عناصر إنشائية وإسمنتية للاحتلال، بل على استقلالية فلسطينية ضمن حالة الاحتلال. ولم تحُمْ حول جدار أو حاجز أو جندي أو جيب عسكري، ولم تتصرّف الشخصية الرئيسية، الأستاذ باسم، بردّ فعلٍ على ذلك، بل كان التصرف مبنياً على حالة دائمة للاحتلال، لا على حدثٍ فردي راهن يتطلّب ردّ فعلٍ تجاهه، مصغّراً، الحدثُ وردُّ الفعل، ديمومةَ الاحتلال وضرورةَ المقاومة بوصفها استمرارية، وبشكلها الاحترافي، بمعزل عن الحدث الراهن.
في الفيلم أستاذ لغة إنجليزية يتقرّب من طالبيه الشقيقين إثر هدم بيتهما، المجاور لبيته. ويقتل مستوطنون حاولوا إحراق أشجار زيتون، الأخ الأكبر، يعقوب، حين حاول منعهم، فيمضي الأستاذ الوقت مع الأخ الأصغر، آدم، حاثاً إياه على عدم الانتقام، مقدّماً له الكتب وغرفة ابنه الذي قضى طفلاً أسيراً،. يُحضر رفاقُ الأستاذ، جندياً إسرائيلياً مخطوفاً لإخفائه في بيته، يكتشف أمره آدم، فينقذ الأخيرُ الأستاذَ في تفتيشٍ أوّل للجيش، ثم تنقذه زميلته في تفتيش ثانٍ للمخابرات. تتطوّر الأحداث وتنعطف ضمن الحلقة الثلاثية والمواقع المتشابكة لكل من الشخصيات الثلاث، وفي مآل كلٍّ منها.
ليست المقاومة هنا آنية لحدث متعلّق بالقصة وينتهي معها، ولا هي عفوية عشوائية وجدت الشخصية نفسها مضطرةً إليها وتفشل غالباً في مسارها، ولا هي بحدها الأدنى معبَّر عنها بكلامٍ وممارسة عاجزة محصورة بإثبات الوجود، ومتلخّصة في أن النجاة بحد ذاتها مقاومة، ولا هي جماهيرية شعبية غير منظَّمة، وهي ليست مدانة شعبياً ومعزولة مجتمعياً، ولهذه كلّها أمثلة عديدة في عموم السينما الفلسطينية. المقاومة هنا منظَّمة ومسيطِرة ومحكَمة وسرّية، وهي قبل كل شيء غير متوقَّعة. فالأستاذ الذي بدا حكيماً رزيناً هادئاً، يمنع طالبَه من مواجهة مباشرة مع جندي سلّمه أمراً بهدم البيت، ولا أقول يتحوّل إلى مقاوم، بل يبقى على رزانته هذه واتّزانه، مستحضراً إياها في الجانب الآخر للأستاذ، الذي أُسر ثلاث مرّات سابقة، والذي انضمّ للمقاومة سرّاً، ليخفي الجنديَّ في بيته، في محاولة لتحرير ألف أسير فلسطيني مقابله.



