نتن… صدق وهو الكذوب

بقلم: الدكتور محيي الين عميمور..
سطور فرضت نفسها مساء السابع من تشرين الاول 1973، مختتمة احتفالات السادس منه ومدشنة احتفالات من نوع جديد.
ومنذ سنوات خلت، وفي إطار النشاط النضالي الإعلامي المتوقد الذي برع فيه الوطن العربي منذ منتصف القرن العشرين، وعشنا آنذاك أحلاما اكتشفنا في شيخوختنا أنها كانت أوهاما.
يومها انطلق ثلاثي غنائي يضم أمل عرفة وجوليا بطرس وسوسن حمامي بأنشودة وطنية حماسية تجنيدية تهتف بأصوات ملائكية: وين الملايين – الشعب العربي وين؟.
وسُحقتِ الأغنية بأحذية ملايين “الّسحّ الدّح امبو”، و”العتبة غزاز”، و”دِدي ددي” أو “إدي إدي” وغابت الأغنية حتى عن ذاكرة كثيرين، لكنها اليوم، بفضل رجال “صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، تفرض نفسها من جديد على كل من في عروقه دم وفي شخصيته بقايا كرامة.
“وين الملايين” تتصاعد صيحتها اليوم لتكون نشيدنا القومي الذي يجب أن يردده صباحا ومساء وليلا كل صوت عربي، مسلما أكان أم مسيحيا، سُنيا كان أم شيعيا، أرثوذكسياً كان أم غير ذلك.
وصدق “نتنياهو” عندما قال عن السابع من أكتوبر إنه يوم أسود على إسرائيل، ونأمل أن تزداد بقية الأيام سواداً عليه وعلى حلفائه وعملائه، بعد أن أثبتت المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام خلال يوم واحد أنها كانت على حق وهي تقول منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أن المواجهة الفعالة للكيان الاستيطاني الصهيوني ليست محصورة على القوات المسلحة النظامية، بقدر ما تتجسّدُ في المقاومة الشعبية التي أكدت فعاليتها في جنوب شرقي آسيا وخصوصا في فيتنام، ثم في المغرب العربي وخصوصا في الجزائر.
وعندما نسمع الرئيس الأمريكي يعطي إشارة الضوء الأخضر للكيان الصهيوني، وهو المعتدي، لكي يدافع عن نفسه، نفهم بكل وضوح أنه يحثّه على ممارسة عملية تقتيل واسعة للشعب الفلسطيني، الذي يشكل اليوم آخر قلعة صمود ضد طغيان الاستعمار الغربي القديم الجديد، لأن المطلوب أن نتحول جميعا إلى “هنود حُمر” جُدُد، ويستريح الشمال إلى الأبد من “الصداع” العربي الإسلامي الذي يؤرقه منذ ما قبل الحروب الصليبية، وهكذا تطمئن الاحتكارات العالمية على مصادر ثروتها عند أهل الكهف، الذين سيتولون حراستها لمصلحة مخططي السلام الإبراهيمي.
وهنا يجب أن نصرخ: وين الملايين.
ومن المؤسف أن نقرأ تصريحات لدول عربية تطالب الطرفين بضبط النفس، من دون أن توجه إدانة بسيطة للمعتدي الذي أشعل النار بتصرفات إجرامية عبر سنوات وسنوات، وهي تصرفاتٍ أكدت أن الحديث عن مدنيين لا يمكن أن ينطبق على “أشكيناز” إسرائيل وسلالتهم، لأن من يوجه فوهة البنادق ضد مرابطات الأقصى لا يمكن أن يُعد مدنياً.
وعندما تتعالى أصوات ذلك الحياد البليد نحسّ بأن هناك تواطؤاً يعلم الله مداه، خصوصا وكلام بايدن المستفز الوقح فضح انحياز الولايات المتحدة الصارخ، التي لم تشِرْ، ولو على استحياء، للمدنيين الفلسطينيين الذي يسحقهم القصف الإسرائيلي، وقبل ذلك لم تتحرك واشنطن وحلفاؤها طوال العقود الماضية لتحجيم التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية أو لتطبيق قرارات الأمم المتحدة أو حتى لمنع الاستفزازات الصهيونية في الأقصى.
والمهم الآن هو أن الأيام القادمة ستكون بالغة الصعوبة على الشعب الفلسطيني، لأن إسرائيل هي الآن وحش جريح أحمق، بعد أن أصابت المقاومة الفلسطينية نقطة ضعفها الرئيسة وهي كرامتها، إذا صحّ أن يُسمّى الغرور الشوفيني كرامة، ودمرت اعتدادها بأنها وجود راسخ لا يُقهر، يملك أقوى مخابرات في العالم، وأضخم ترسانة عسكرية في المنطقة، وأوسع تضامن دولي، ناهيك من تضامن حكومي عربي إبراهيمي !!…. أحسّ بالخجل وأنا أشير له.
والذين تابعوا لقطات رجال المقاومة وهم يخترقون الاستحكامات الصهيونية ويدمرون دبابات “الميركافا” ويجرجرون جثث قتلى العدو ويسحبون أسراه من أقفيتهم سيدركون أن شعباً استطاع، برغم جبروت الأعداء وتراخي الأصدقاء وخمول الحلفاء ونقص الإمكانيات، استطاع أن يفرض على رئيس وزراء إسرائيل أن يعترف بأن الكيان يعيش يوما أسود، وبأن أياما صعبة تنتظره على يد شعب شبه أعزل، هو فعلا شعب الجبارين.
والمقاومة الفلسطينية تقول للشعب العربي من المحيط إلى المحيط: وين الملايين، بعد أن أصبح واضحاً، أن الكيان الصهيوني يحاول تجنيد العالم كله ضد الشعب الفلسطيني الذي لم يفعل أكثر من المطالبة بحقوقه المشروعة بالأسلوب الذي لا يفهم العدوّ غيره.
والخطاب البكائي لنتنياهو هو نفس الأسلوب البكائي الذي برعت فيه الصهيونية العالمية لاستجداء الدعم، برغم أنه يثبت أن إسرائيل النووية هي أضعف من حركة مقاومة شعبية لا تملك بعض ما تملكه هي من إمكانيات تفوق الخيال.
وهذه هي ساعة الحقيقة، فإما أن يثبت الشعب العربي بأنه شعب حقيقي يستحق الحياة، وإلا حُكِمَ عليه إنسانياً وتاريخياً بأنه مجرد تجمعات سكانية من مستوطنين يرون في الوطن مجرد فندق يجمع شتاتهم، وسوف يعيشون أبد الدهر “بين الحُفر”، يغنون أناشيد “أبو القاسم الشابي” من دون أن يفهموا أنها تدينهم إلى الأبد.
وربما كان السؤال الذي سينطلق من أفواه البعض، وأحيانا على سبيل التعجيز: ماذا يمكن أن نفعل على وجه التحديد؟.
وليس سراً أن هناك المئات بل الآلاف من شبابنا يمتطون أحصنة وسائل التواصل الاجتماعي، وهؤلاء قوة لا يُستهان بها في مجال فضح جرائم العدو وتحييد أنصاره وإفشال مخططاته، وبكل اللغات الممكنة.
وجميعاً، علينا أن ننادي بسقوط حل الدولتين، ونطالب بفلسطين واحدة موحدة من النهر إلى البحر، وهو ما سوف يعني سقوط مشروع إقامة الدولة اليهودية، لأنه سوف يُحرج العلمانيين من مثقفي الغرب ويضع الدول الكبرى في الوضعية الحرجة التي تفرض عليها التراجع عن دعم كيان يُبنى على أساس ديني، متناقضٍ مع علمانيتها المزعومة، وتدفع تلك الدول إلى إنقاذ ما تقدر على إنقاذه من مصالح حيوية لها في الشرق الأوسط بتلجيم التحرك الإسرائيلي، الذي سيحاول أن ينتقم لنفسه باستعمال أبشع أدوات القمع والتقتيل ضد الشعب الفلسطيني.
باختصار شديد وبيان أوضح، يجب أن تتركز الأسبقية الآن على حماية الشعب الفلسطيني من تفجر الجنون الإسرائيلي الذي عرفناه في كفر قاسم ودير ياسين وقانا وعشرات المواقع الأخرى التي سُوّيت بالأرض.
رحم الله الشهداء، ولنصرخ معاً.. وين الملايين … الشعب العربي وين؟.
وقبل الشعب العربي …وين “فتح” وين …وين “الصاعقة” وين ….وين “الجهاد الإسلامي” وين ووين وين … والله لا تركب فاس على هراوة.



