إقتصادي

التكنوقراطية وحكومة التكنوقراط .. دراسة موجزة

lll

استخدم مصطلح ” التكنوقراط ” في الأصل للاشارة إلى تبني وتطبيق المنهج العلمي في حل المشاكل الاجتماعية المتعلقة برفاهية المواطنين من خلال اختيار الافراد الذين يمتازون بالمهارات التقنية والقيادية التخصصية والأداء الحسن، من أجل تطبيق هذا المنهج ونجاحه.وطبقا الى ما جاء به أنصار هذا المفهوم ، فأنه يجب عدم الاعتماد بل الغاء دور المال الذي يجعل من البلدان والمجتمعات بلدانا مستهلكة تأكل من ما لاتزرع وتلبس من ما لاتنسج ، بل الاهتمام بالتطور المستدام النابع من قاعدة الموارد المتوفرة ، بدلا من الاهتمام بالربحية النقدية ، وذلك لضمان استمرارية تشغيل جميع القطاعات المجتمعية والصناعية إلى أجل غير محدد، ودون الرجوع الى الانتخابات الديمقراطية التي يبرز من خلالها أفراد لايملكون المعرفة أو المهارة المطلوبة لممارسة التكنوقراطية أوالسماح بوصفهم بالتكنوقراطيين ، على أقل تقدير.أما مصطلح ” التكنوقراطية “، فيشير الى الهيكل التنظيمي أو نظام للحوكمة، وهي العملية التي يتم فيها او من خلالها اختيار صناع القرار على أساس من المعرفة التكنولوجية ، وليس على أساس الانتماءات السياسية او العرقية او الدينية ام لم نقل المذهبية.التكنوقراطية هو المصطلح الذي يعني أساسا حكم الخبراء غير المنتخبين، وفي كثير من الأحيان الأكاديميين اللامعين، الذين يفترض بهم وضع مصلحة البلاد فوق مصلحة أي ” الجهات ” السياسية او المناطقية او العرقية، واستطرادا، فأن التكنوقراطية غالبا ما تكون في تناقض مع ، ولكن ليس لمعارضة المنتخبين من أبطال الاحزاب السياسية او الفصائل الفاعلة. وبالرغم من هذا المفهوم أو ذاك، فان مفهوم التكنوقراطية والتكنوقراطيين يبقى مفهوما مبهما وأفتراضيا، كونه مصطلحا لم يبرز مع بروز الثورة العلمية الحديثة في المعلوماتية والهندسة الطبية والاتصالات والتي لم يتجاوز عمرها السبعين عاما، والتي يشهد الانسان نتائجها كل يوم بل كل لحظة، في زمن أعتبر فيه من لايجيد استخدام الكومبيوتر ووسائط الاتصال الحديثة في رسم صفة الاستدامة على حياته والاستجابة لمتطلبات معيشته اليومية ، أعتبر أميا. لقد كثر أستخدام هذين المصطلحين الفظفاظين من قبل المعجبين بهما، والذين يصورون لأنفسهم، ان التكنوقراطي هو جسم متميز فريد، يملك من المعرفة في ذلك التخصص ما لايملكه الغير، والذين بهذا رسموا هالة ضبابية ما بين الحقيقة والخيال، الحقيقة التي تؤكد وفرة في أعداد التكنوقراطيين في عالمنا الحاضر وانحسار مفهوم النخبة الذي اريد منه حصر الحوكمة بأرادة عدد محدد ومحدود. ومن الأمثلة على التكنوقراطيين هم العلماء والمهندسون والتقنيون الذين لديهم المعرفة الخاصة والخبرات، والمهارات، لتشكيل الهيآت الإدارية الحاكمة، بدلا من الافراد المنتخبين من خلال الأحزاب السياسية ورجال الأعمال، وما أكثرهم في يومنا هذا. أذن، ما هي حكومة التكنوقراط؟ للإجابة على هذا السؤال علينا ان نتعرف على الكيفية التي تتشكل بها الحكومات في الانظمة البرلمانية، وبالتأكيد ليس في العراق ، ولكن في الدول المستقرة منذ سنوات ، فعلى العكس من الانظمة الرئاسية التي يتمتع فيها الرئيس بصلاحية أختيار أعضاء كابينته الوزارية ، فأن الانظمة البرلمانية تمنح صلاحية أختيار الوزراء وأقرار الكابينة الوزارية الى البرلمان المنتخب. وغالبا ما يتطلب النجاح في أختيار الكابينة من قبل البرلمان ، تحالف عدد من الاحزاب لتشكيل الاغلبية التي تستطيع أقرار قبول الكابينة الوزارية المقترحة عليهم.يشمل أتفاق المتحالفين منح مناصب رؤساء الوزارات الى تلك الاحزاب ، والتي تقوم بدورها في تنصيب أحد أعضائها رئيسا لتلك الوزارة. وعلاوة على ذلك ، فأن أتفاق التحالف يمنح ، في الغالب الاعم وليس الحصر ، منصب رئيس الوزراء للحزب الاكبر في ذلك التحالف. وغالبا ما تبرز شخصية واضحة المعالم لتسنم ذلك المنصب أثناء فترة الانتخابات.فأن كان الامر كما تقدم ، فما المقصود بحكومة التكنوقراط ، أذن.من الناحية التقنية ، فأن حكومة التكنوقراط هي حكومة لايتسم وزراؤها في أحتراف المهنية والمسلكية السياسية ، بل نرى في بعض الاحيان ، أن الوزراء لاينتمون الى الاحزاب المتحالفة أصلا ، وعوضا عن ذلك ، فأنهم يمثلون أفرادا ” خبراء” بما تحتاجه وزارتهم من مهارات وقدرات تضمن عملا منتجا وأستدامة في تطوره. ومثالا على ذلك ، ان يكون وزيرا للمالية ، شخصية تتمتع بخلفية في العلوم الاقتصادية وممارسة في التطبيق العملي في المصارف الدولية او المحلية ، دون تأريخ في تسلمه المناصب عن طريق الانتخابات الحزبية أو حتى ولوجه في العمليات الانتخابية والدعوة اليها. هل من الضرورة ان يكون رئيس الوزراء تكنوقراطيا، أيضا؟ في البعض من الحالات، شهدنا تكنوقراطيا يترأس الوزارات، لكن هذا ليس أمرا ملحا، ذلك لتشعب الاختصاصات التي يتطلبها تسيير أعمال البلدان، واستحالة ان يجمع رئيس الوزراء الخبرات لفهمها جميعا ولا حتى الاغلب منها، تلك التي من المفترض ان يتصف بها أعضاء كابينته التكنوقراطية.لهذا السبب فأنه من الممكن تنصيب رئيسا للوزراء من أحد الاحزاب الرئيسة، او ان يكون مستقلا تكنوقراط في مجال معين، وخير مثالين على ذلك هما رئيسا وزراء اليونان وأيطاليا في عام 2011، حيث وصفا بالتكنوقراطية ، كونهما خبراء أقتصاديين ( وليسو حملة بكلوريوس وعملوا في الترجمة ، كما هو الحال في الدول التي يطلق عليها ، النامية) ، وهذه ليست اشارة على وجوب ان يكون رئيس الوزراء خبيرا أقتصاديا. متى ترشح البلدان التكنوقراطيين لقيادة بلدانهم؟ غالبا ما تذهب البلدان لتشكيل حكومات تكنوقراط عند فقدان الحكومة لثقة ودعم البرلمان لها ، وكذلك لاسباب أخرى متعددة منها قانونية ، او دستورية ، أو سياسية ، والاعم الاغلب أسباب واقعية منها تردي الاوضاع الاقتصادية وزيادة البطالة وتفشي الفساد المالي والاداري ، أسباب تتطلب الدعوة الى أنتخابات مبكرة يصعب تنظيمها ، لذلك تلجأ الشعوب المتقدمة الى تشكيل حكومات تعتمد على التكنوقراط ولو لفترة مؤقتة ، لحين أجراء الانتخابات المؤجلة ، وتسمى مثل هذه الكابينة بحكومة تصريف الاعمال ، ومما لم يمر بخاطر أحد ، ان احد الحلول الادارية عند بروز تلك المسببات التي تدعو الى تغيير الحكومة المتلكئة ، هو تشكيل حكومة ساندة لها ، او كما يطلق عليه أحيانا ” بحكومة الظل ” ، والتي غالبا ما تكون بعيدة عن التكنوقراطيين ، حينئذ يطلق على تسمية هذه الحكومة ذات المسندين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى