دروس في الحرية من نهج الإمام الحسين عليه السلام

لا يخفى على أحد أن التضحيات التي بذلها الامام الحسين عليه السلام حينما قدم اهله واصحابه للاستشهاد من اجل الحرية وعدم الرضوخ للحكم الظالم، هي الدرس الاعظم الذي قد يتعلم منه اي انسان معنى الحرية وإنها لا تقدر بثمن، وان قول الحق في وجه الظالم هو امر حتمي ولا بد منه مهما ترتب عليه من آثار حتى وان كان القتل في سبيل الحق.
إن التأمل في شعارات ثورة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء تكشف وبما لا يدع مجالاً للشك انه قصد قيم الحرية والكرامة والإصلاح بمواجهة قيم الظلم والانحراف والعدوان، ولما جمع لحربه الألوف لم يلتفت لذلك ومضى في طريق الإصلاح واستنهاض الأمة بالعودة إلى طريق الحق والعدل وكثيرا ما تردد على لسانه الشريف مقولة “هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.
وبهذا منح الإمام الحسين الجميع وبلا استثناء الحرية وضرب المثل الأعلى بالتضحية دونها وقطع دابر الحكام الظالمين ممن دأبوا على قمع الحريات كسبيل للبقاء في السلطة، فكان من عاصره مخيراً بين الحرية التامة المتمثلة بمنهج الحق الذي يمثله الحسين والقائم على الاقتناع الذاتي، ومذهب أئمة الظلم القائم على القهر والعدوان والأساليب الشيطانية في الإغواء وكسب الأنصار، فقد اختار الإمام الحسين لنفسه طريق ذات الشوكة لطلب الإصلاح مرجحاً ذلك على القعود وعدم النهوض بالمسؤولية الأخلاقية والدينية والإنسانية.
ثم إن الإمام عليه السلام ضرب لنا أروع الأمثلة في الإيثار في حديث له مع أصحابه حين وصلوا إلى العراق إذ يقول لهم “إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقاً فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما” وما ذاك الحديث إلا دليل إيمان الحسين عليه السلام بالحرية التي لا يساوم عليها ولو كان ثمنها ذهاب روحه وقتله سلام الله عليه.
كما أكد الإمام الحسين على الحرية تكراراً في مخاطبته للقوم الذين تجمعوا لحربه فقد قال لهم في كلام مطول أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قوله “من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله” نستشف من المقطع المتقدم التأكيد الراسخ على الحرية في الرأي ومقاومة طغيان السلطة.
وتأكيداً للإيمان المطلق بحرية الفرد بالاختيار يلهج أبو عبد الله ليلة المعركة بلسان عربي فصيح أن الجميع أحرار في انتهاج السبيل الذي يرغبون فيه ويحلهم من بيعته أو أي التزام له إزاءهم، بعبارة أخرى هو كفل لهم الحرية الكاملة في الاختيار بعيداً عن كل صورة من صور الضغط ومصادرة الاختيار، بل انه جاهرهم بالنتيجة الحتمية ليوم المعركة الموعودة، لكي يكون خطابه لهم مصداقا لقوله تعالى “لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ”، لذا خاطبهم عليه السلام بقوله “إني لا أعلم أصحاباً أصح منكم ولا أعدل، ولا أفضل أهل بيت، فجزاكم الله عني خيرا، فهذا الليل قد أقبل فقوموا واتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد صاحبه أو رجل من إخوتي وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم”.



