انتصار ثورة عاشوراء رغم قلة الأنصار

مثلت ثورة عاشوراء انتصاراً حقيقياً للدم على السيف، إذ ان الإمام الحسين “عليه السلام” وأصحابه رغم قلة عددهم مقابل جيش بني أمية إلا انهم حققوا انتصارا خالدا دوّنه التأريخ وبقي منارة مشعة ورمزاً للحرية ونبذ الظلم وعدم الرضوخ للحاكم الجائر.
ومن خُطَب الإمام الحسين “عليه السلام” في كربلاء قوله: “ألا ترون أنَّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً.
لعلّ من أجلى ظواهر ثورة الإمام الحسين “عليه السلام“، ومن أكثرها حرقة من جهة، وإثارة لسيل من الأسئلة من جهة ثانية، ودلالة على مستوى الهبوط والانهزامية التي مُنيت بها الأمّة أيّام الإمام الحسين “عليه السلام” من جهة ثالثة ظاهرة، قلّة أنصاره “عليه السلام” وكثرة المتخاذلين عنه.
فلو حاولنا الوقوف عند هذه الظاهرة البارزة في أحداث كربلاء، ورمنا التأمُّل فيها، والنظر في الأسباب التي أدّت إليها، لبرزت أمامنا نقاط ونتائج من المفروض أن تكون على خلاف تلك التي وصلت إليها الأمّة آنذاك. فهي كانت نقاط قوّة، وفي صالح النهضة الحسينية، ومدعاة لكثرة الأنصار، لا لقلّتهم، ولقلّة المتخاذلين، لا لكثرتهم، أي على خلاف الواقع المؤلم حينذاك. فما الذي أدّى إلى تغيُّر هذا الواقع بهذا الشكل الذي رأيناه؟!.
إنّ شخصيّة الإمام “عليه السلام” نفسه المتميّزة جدّاً في المجتمع الإسلاميّ، وبما تختزنه من أبعاد قرآنية ونبوية، وعمق وتجذّر في الموقعين الدينيّ والاجتماعيّ للمسلمين، يُعدّ من أهمّ نقاط القوّة التي كان من المفترض أن تكون سبباً لكثرة الأنصار لا قلّـتهم. فقد كان الإمام الحسين “عليه السلام” في موقع لا يوازيه أحد في شرق الأرض وغربها، ولا تدنو إليه أية شخصية مهما بدت كبيرة ومميّزة. هو سيّد قريش، وإمام المسلمين، وسنام العرب. وكان “عليه السلام” يُنبّه دائماً إلى ذلك في مواقع عدّة، لعلّ من أبرزها خطبته “عليه السلام” يوم عاشوراء، بعد أن ذكّرهم ببعض ما قاله جدّه رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” فيه وفي أخيه الإمام الحسن “عليهما السلام“، ثم أردف عليه السلام قائلاً: “فإن كنتم في شكٍّ من هذا، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم، ولا في غيركم. وَيْحَكُم، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟“.
لقد اختار الإمام الحسين (عليه السلام) التضحية أسلوباً له في حركته الإصلاحية الكبرى، إلّا أنّ تضحيته (عليه السلام) كانت من طراز فريد لم يعهد من قبل مثيلاً لها في تاريخ الإنسانية. كانت واقعة كربلاء تمثِّل الحدّ الفاصل بين رجال الحقّ والإنسانية، وبين مَن انتزعت الرحمة والإنسانية من قبله.
إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يعد ثورة كبرى، انتصر فيها بدمه الطاهر على سيف أعدائه وذلك من خلال ما جرى في أرض كربلاء وواقعة الطف، قتلوا أولاده وأخوانه وأصحابه (عليهم السلام) ولم يهن أو يخضع، إنّها عزة الإيمان في أعظم تجلياتها.
كان يوم عاشوراء ولم يزل يوماً ملحمياً خالداً في نفوس المؤمنين، لما تضمنه من أبعاد إنسانية رسمت لكلّ الأجيال طريق الكرامة والخلود والعدل والحرّية، وأصبح رمزاً لدحر الظلم والاستبداد والطغيان في كلّ زمان، وصارت كربلاء قبلة للأحرار والثوار في كلّ مكان حتى قيل إنّ (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) ولا ريب أنّ الذي أسس لهذا الخلود، وركّز لهذا البقاء هو ذلك الهدف الرسالي العظيم والنهضة الإصلاحية الكبيرة التي جسّدها سيِّد الشهداء وضحّى لها بتلك الدماء الطاهرة التي سالت في ذلك اليوم الدّامي حتى صارت هذه الدماء قرابين حقّ، ورموز فداء، ومنارات أمل، ومشاعل هدى، تستضيء بها النفوس التي تبحث عن الخير والسعادة على مدى الأجيال.



