حزب الله سيعيد إسرائيل إلى ما قبل العصر الحجري

بقلم: د. حامد أبو العز..
لا يجب الاعتماد بشكل دائم على الدبلوماسية لإرسال رسائل السياسة والحرب، لأن المواقف في بعض الأحيان تتطلب وضع النقاط على الحروف وتحجيم الآخر كي لا يتمادى أو يتجاوز حدوده. لقد اعتدنا على خطابات السيد حسن نصر الله الهادئة والمدروسة، ولكن لإدراكه العميق للسياسة وكيفية لعبها فقد اختار هذه المرة أن يضع النقاط على الحروف ويعطي إسرائيل حجمها الحقيقي.
ما فتئ الإسرائيليون يكررون تهديداتهم بإعادة لبنان إلى العصر الحجري إذا ما وقعت الحرب. حيث توعد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قبل أيام، بإعادة لبنان إلى العصر الحجري في أي حرب تدخلها مع حزب الله، وذلك بعد تكرار المناوشات مع الحزب على الحدود بين البلدين خلال الأسابيع الماضية. والمثير للاهتمام في تصريحات غالانت هو أنه وجه خطابه مباشرة لنصر الله قائلاً: “لقد ارتكبتَ أخطاءً في الماضي ودفعت ثمنا باهظاً للغاية”.
لا بد أنّ غالانت يقصد بالأخطاء المقاومة الشعبية الحرة التي أخرجته من جنوب لبنان، ولا بد أن يقصد كذلك حرب تموز وكيف أذلت المقاومة العدو الإسرائيلي ودمرت جميع الأساطير التي كانت تقول بأنه لا يُقهر. ولا بد كذلك بأنه يقصد ضرب زمام المبادرة الإسرائيلية وجعل إسرائيل متخوفة من أي عملية للمقاومة ضد قواتهم وكيف حوّل حزب الله سلاح المقاومة إلى كابوس للإسرائيليين. في كل مرة تُطلق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه الأراضي المحتلة يخرج علينا الإسرائيليون مرتعدون من الخوف ويخبروننا بأنهم لا يرغبون في الحرب. ولا بد كذلك من أن غالانت يقصد بالأخطاء الماضية لحزب الله ما حدث قبل عام حول موضوع ترسيم الحدود البحرية وكيف أن حزب الله وتحت وطأة الواقع الميداني استطاع بالتعاون مع الحكومة اللبنانية تحصيل جميع الحقوق اللبنانية في المياه البحرية ولم يفرط بشبر واحد من هذه المياه المهمة.
في خطابه المهم في الذكرى 17 لحرب تموز 2006، أكد نصر الله أن النصر في تموز 2006 كان بفضل اصطفاف وتضامن كل عناصر المجتمع في لبنان وهو انتصار تاريخي للمستقبل. ولذلك فلم ينسب الأمين العام لحزب الله النصر لنفسه أو لحزب الله وحده بل نسبه إلى جميع فئات الشعب اللبناني وهذا هو واقع حقيقي فلولا صمود هذا الشعب لقامت إسرائيل بالاعتداء على لبنان واحتلال أراضيه بشكل متكرر.
لقد رسم نصر الله خلال هذا البيان والخطاب معالم المرحلة القادمة بشكل دقيق. فهو ذكّرَ الإسرائيليين بطريقة غير مباشرة بأن القبة الحديدية والباتريوت لن يحميا إسرائيل من صواريخ المقاومة الدقيقة وهذا يُذكر الإسرائيليين بالفضيحة المدوية لدبابة الميركافا الإسرائيلية في لبنان 2006. ومرة أخرى ذكّرَهم بأن صواريخ المقاومة سوف تستهدف جميع القواعد العسكرية والمطارات والبنى التحتية خصوصاً بأن المقاومة تعرف جيداً الجغرافية الفلسطينية. والأهم من هذا وذاك أكد نصر الله على وحدة الساحات وأكد بأن العدو لا يأخذ بحسبانه مشاركة غزة والضفة الغربية في أي حرب قادمة مع إسرائيل.
وبعد كل هذه الحقائق المبنية على واقع ملموس وقدرة صاروخية وتكتيكية مستمرة ومنسقة مع الحلفاء، وبناء على المعادلة الذهبية “الشعب والجيش والمقاومة”، جاء التهديد الحقيقي على لسان نصر الله للإسرائيليين بأنه سيعيدهم إلى العصر ما قبل الحجري لمجرد التفكير بشن هجوم على لبنان.
ولم يُغفل نصر الله الحوادث في داخل لبنان، وبناءً على قاعدة أن الأقوى والكبير هو من يمنع الفتن، فقد رفض نصر الله التصعيد في ملف “حادثة الكحّالة” واعتبرها حادثة عادية بسبب عطل تقني وترك الموضوع بشكل كامل إلى السلطات الأمنية وقوى الجيش الضامن الوحيد للأمن والاستقرار الأهلي في لبنان.
الرسالة المهمة في حديثه عن الداخل كان حول النتائج الإيجابية للحوار مع التيار الوطني الحر فيما يخص الملفات الخلافية وعلى رأسها ملف انتخاب رئيس للجمهورية. فعلى الجبهة المقابلة واستباقاً لجولة جديدة يعزم المبعوث الفرنسي القيام بها إلى لبنان، فقد قدم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورقة المعارضة ورؤيتها للحل إلى السفيرة الأمريكية دروثي شيا. ويبدو أن الورقة تصر على رفض أي عملية حوار مع الفرقاء وترفض المعارضة كذلك إبرام أية تسويات في مجال انتخاب الرئيس. وعليه يبدو أنهم متمسكون بالمرشحين الذين يطرحونهم بين الفينة والأخرى كجهاد أزغور أو حتى جوزيف عون، وإصرارهم هذا يبدو أنه دفع التيار الوطني الحر لخوض عملية حوار عميقة مع حزب الله في ظل رفض الأول ترشيح جوزيف عون الذي يواجه قضايا متعددة في المحاكم اللبنانية تتعلق بصفقات بيع أسلحة مستعملة أو شراء معدات عسكرية أو حتى أخذ منح من دول أجنبية للجيش اللبناني وعليه فإن حظوظ الأخير ضعيفة للغاية وهو ما دفع التيار الوطني الحر بالعودة إلى الحوار المستمر مع حزب الله وهناك مؤشرات على تقارب في وجهات النظر مع الحزب.
إذاً ومرة أخرى يؤكد نصر الله على فهم عميق في لعب السياسة والتهديد بالحرب، فهو لا يرغب بالحرب وليس هاوياً عبثياً لها إلا أنه وضع النقاط على الحروف ووجه تهديده المباشر إلى إسرائيل التي اعتادت على العجرفة وتجاهل الحقائق ولذلك فقد تم التأكيد على قدرة صواريخ المقاومة الدقيقة ووحدة الساحات في محور المقاومة وقدرتها على إعادة إسرائيل إلى ما قبل العصر الحجري. وفي الداخل أعاد نصر الله الخطاب المتزن حول طبيعة العلاقة مع الفرقاء والأحزاب الداخلية وأكد أن عملية الحوار بين الفرقاء هي الحل الوحيد للخروج من النفق المظلم وبناء على ذلك رفض الانجرار إلى الفتنة وأكد على تطور الحوار البناء مع التيار الوطني الحر وإمكانية تحقيق عهد جديد.



